وهم الإجماع في البورصة.. عندما تتحول ثقة الحشود إلى وصفة للخسارة

كثيراً ما يبحث المستثمرون عن الطمأنينة في آراء الآخرين، معتقدين أن توافق عدد كبير من المتداولين والمحللين على فكرة استثمارية معينة يشكل دليلاً على صحتها. غير أن أسواق المال أثبتت مراراً أن الرأي الأكثر انتشاراً ليس بالضرورة الرأي الأكثر دقة، وأن السير خلف الحشود قد يقود أحياناً إلى خسائر مؤلمة بدلاً من الأرباح المنتظرة.
ويُعد ما يعرف بـ”وهم الإجماع” أحد أبرز الانحيازات النفسية التي تؤثر على قرارات المستثمرين. ويقوم هذا المفهوم على اعتقاد الفرد أن الآخرين يشاركونه الرأي نفسه أو أن الأغلبية تتبنى التوقعات ذاتها، ما يمنحه شعوراً مبالغاً فيه بالثقة ويضعف قدرته على تقييم المخاطر بصورة مستقلة.
وتجسد هذه الظاهرة ما حدث للمستثمر الأمريكي الشاب روبرت هول مطلع العقد الماضي، عندما انجذب إلى موجة التفاؤل الكبيرة المحيطة بشركة “سوليندرا” المتخصصة في تصنيع الألواح الشمسية. فقد كانت الشركة تحظى بدعم حكومي أمريكي كبير، كما كانت وسائل الإعلام والمنتديات الاستثمارية تمتلئ بتوقعات متفائلة حول مستقبلها.
ومع تكرار الرسائل الإيجابية من مختلف المصادر، اقتنع هول بأن الاستثمار فيها خيار آمن، ليضخ جزءاً كبيراً من مدخراته في القطاع.
غير أن الواقع سار في اتجاه مختلف تماماً. فمع اشتداد المنافسة من الشركات الصينية التي قدمت منتجات أقل تكلفة، واجهت “سوليندرا” صعوبات متزايدة انتهت بإعلان إفلاسها وإغلاق عملياتها. عندها تكبد المستثمرون الذين ساروا خلف موجة التفاؤل الجماعية خسائر كبيرة، بعدما اكتشفوا أن الإجماع لم يكن ضمانة لنجاح الاستثمار.

ويشرح خبراء السلوك المالي أن “وهم الإجماع” يدفع الأفراد إلى المبالغة في تقدير حجم التأييد الذي تحظى به آراؤهم، ما يمنحهم شعوراً زائفاً بالثقة. فكلما رأى المستثمر عدداً أكبر من الأشخاص يتبنون الرأي نفسه، تراجع ميله إلى التشكيك والتحليل المستقل، وأصبح أكثر استعداداً لاتخاذ القرار دون فحص كافٍ للمخاطر.
وقد ازدادت حدة هذه الظاهرة مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية المتخصصة في التداول. فخوارزميات هذه المنصات تميل إلى عرض محتوى مشابه لما يتابعه المستخدم، ما يخلق ما يشبه “غرفة الصدى” التي يسمع فيها المستثمر الآراء المؤيدة لموقفه فقط، بينما تختفي التحذيرات والوجهات المخالفة عن نظره.
وتبرز خطورة هذا السلوك بشكل أوضح خلال فترات الازدهار السعري. ففي أعقاب جائحة كورونا، شهدت أسهم شركات البرمجيات والتكنولوجيا الناشئة ارتفاعات استثنائية دفعت العديد من المستثمرين ومديري الصناديق إلى الاعتقاد بأن قواعد التقييم التقليدية لم تعد صالحة. وساد اعتقاد واسع بأن النمو السريع للإيرادات يكفي لتبرير الأسعار المرتفعة، حتى في ظل غياب الأرباح.
لكن مع بدء مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي دورة قوية من رفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم، تغيرت معايير السوق بصورة سريعة. وعادت الربحية والتدفقات النقدية إلى صدارة اهتمامات المستثمرين، لتتعرض أسهم التكنولوجيا ذات التقييمات المبالغ فيها لهبوط حاد، وتتكبد العديد من المحافظ الاستثمارية خسائر كبيرة خلال فترة قصيرة.
وتشير دراسات في مجال التمويل السلوكي إلى أن المستثمرين الأفراد غالباً ما يربطون بين كثرة المشترين واستمرار الاتجاه الصاعد، رغم أن التاريخ المالي يظهر أن موجات الإجماع الواسعة كثيراً ما تتزامن مع المراحل الأخيرة من الصعود، عندما تكون الأسعار قد استوعبت بالفعل معظم الأخبار الإيجابية.
كما توضح الأبحاث أن الاستراتيجيات التي تعتمد على ملاحقة التوجهات السائدة لا تحقق في كثير من الأحيان أداءً أفضل من المؤشرات العامة للأسواق، بل قد تدفع المستثمر إلى شراء الأصول عند مستويات مرتفعة وبيعها بعد تراجعها، وهو ما يؤدي إلى إضعاف العوائد على المدى الطويل.
وقد تكررت هذه الظاهرة في أسواق مختلفة، من أسهم التكنولوجيا إلى العقارات والصناديق الاستثمارية المتخصصة، حيث أدى الاعتماد المفرط على الرأي الجماعي إلى تجاهل مؤشرات اقتصادية أساسية كانت تنذر بتغير الاتجاهات.
ويرى متخصصون في علم النفس المالي أن أفضل وسيلة لمواجهة هذا الانحياز تتمثل في تبني منهجية تحليل مستقلة تقوم على البحث المتعمد عن الآراء المخالفة، واختبار الفرضيات الاستثمارية من زوايا متعددة قبل اتخاذ القرار. كما يعد تنويع الاستثمارات والالتزام بخطة طويلة الأجل من أهم الأدوات التي تساعد على تقليل تأثير الضغوط الجماعية.
وفي النهاية، لا يقاس نجاح الاستثمار بعدد الأشخاص الذين يوافقون على القرار، بل بمدى استناده إلى تحليل موضوعي وإدارة منضبطة للمخاطر. فالتاريخ يثبت مراراً أن السير خلف الحشود قد يمنح شعوراً مؤقتاً بالأمان، لكنه لا يوفر حماية حقيقية عندما تتغير قواعد السوق وتنكشف حقيقة “وهم الإجماع”.




