من يسأل من ؟.. جيل زد يحول مقابلة العمل إلى امتحان للشركات أيضاً

لم تعد مقابلة العمل في سوق الشغل الحديث اختباراً يسير في اتجاه واحد، يجلس خلاله المرشح أمام مسؤول التوظيف ليجيب عن الأسئلة وينتظر النتيجة. ومع دخول جيل زد بقوة إلى سوق العمل، بدأت قواعد هذا اللقاء تتغير، بعدما أصبح عدد متزايد من الشباب ينظر إلى المقابلة باعتبارها فرصة لتقييم الشركة وثقافتها وظروف العمل، وليس فقط لإثبات قدراته أمامها.
هذا التحول يفرض على إدارات الموارد البشرية أسلوباً مختلفاً في التعامل مع المرشحين، خصوصاً حديثي التخرج الذين قد يخوضون أول تجربة لهم في مقابلات العمل من دون معرفة دقيقة بما يعتبره أصحاب العمل سلوكاً مهنياً مقبولاً.
وفي الوقت الذي قد تفسر فيه بعض التصرفات غير المعتادة بالتوتر أو قلة الخبرة، فإنها تعكس في حالات أخرى اختلافاً أوسع في نظرة الأجيال الجديدة إلى العلاقة المهنية، وحدودها، وما ينتظره الموظف من الشركة مقابل ما تقدمه له.
وأظهر استطلاع أجرته “CareerBuilder” و”Harris Poll”، وشمل أكثر من 2500 مسؤول ومدير في مجال الموارد البشرية، أن بعض مقابلات التوظيف شهدت مواقف يصعب وصفها بالتقليدية.
فمن بين الحالات التي سجلها المسؤولون، مرشح اختار الغناء أثناء الإجابة عن أسئلة المقابلة، وآخر اعترض بصوت مرتفع على طول اللقاء. وفي حالة أخرى، قال أحد المتقدمين إن سبب بحثه عن الوظيفة يعود إلى رغبة زوجته في أن يحصل على عمل.
ولم تتوقف المواقف الغريبة عند هذا الحد، إذ أقدم مرشح على وضع يده على صدر مسؤول التوظيف خلال المقابلة قائلاً إنه يريد التواصل معه “من القلب إلى القلب”، بينما شارك متقدم آخر في مقابلة عن بُعد من داخل الحمام واستخدم المرحاض أثناء إجرائها.
ورغم أن هذه الأمثلة تظل حالات استثنائية، فإنها تكشف عن واقع أوسع يتعلق بدخول جيل جديد إلى سوق العمل في ظروف مختلفة عن تلك التي عاشتها أجيال سابقة.
نشأ جزء كبير من جيل زد مهنياً في فترة شهدت اضطرابات قوية في سوق الشغل، خصوصاً خلال جائحة كورونا، التي أدت إلى موجات واسعة من تسريح الموظفين، وكان الشباب من بين الفئات الأكثر تأثراً بها.
وأثرت هذه التجربة في نظرة بعض أفراد هذا الجيل إلى مفهوم الولاء المهني، إذ لم يعد من المسلّم به بالنسبة إليهم أن الموظف مطالب بتقديم ولاء طويل الأمد لشركة قد لا تضمن له الاستقرار أو الأمان الوظيفي على المدى الطويل.

وبالتالي، أصبح البحث عن وظيفة بالنسبة إلى كثير من الشباب عملية اختيار متبادلة، لا مجرد محاولة لإقناع الشركة بقبولهم.
من أبرز التحولات التي يشهدها سوق العمل أن عدداً من المرشحين الشباب أصبحوا أكثر حرصاً على معرفة تفاصيل الوظيفة قبل قبولها، بدءاً من بيئة العمل ووصولاً إلى أسلوب الإدارة والتوازن بين الحياة المهنية والشخصية.
وهكذا، لم تعد الأسئلة تذهب في اتجاه واحد. فكما يريد صاحب العمل معرفة مهارات المرشح وشخصيته، يريد المرشح بدوره معرفة طبيعة الشركة وما إذا كانت تتوافق مع توقعاته.
ويمكن النظر إلى هذا التحول باعتباره نوعاً من إعادة التوازن في علاقة التوظيف، إذ أصبحت المقابلة مساحة للتفاوض غير المباشر حول ما يريده كل طرف وما يستطيع تقديمه.
ولكي لا تقتصر المقابلة على الأسئلة التقليدية المتعلقة بالسيرة الذاتية والخبرة، يمكن لمسؤولي التوظيف الاستعانة بإطار PERKS، الذي يقوم على خمسة محاور تساعد على اكتشاف توقعات المرشح وطريقة تفكيره ومدى انسجامه مع بيئة العمل.
ولا يهدف هذا الإطار إلى منح المرشح كل ما يطلبه، وإنما إلى كشف الأمور التي قد تتحول لاحقاً إلى مصادر للخلاف إذا لم تتم مناقشتها منذ البداية.
1. التفضيلات Preferences
يتعلق المحور الأول بالأمور التي يفضلها المرشح داخل بيئة العمل، مثل فترات الراحة، والإجازات المدفوعة، والأنشطة الاجتماعية، وطبيعة التواصل داخل الشركة أو سياساتها الداخلية.
لكن من المهم التمييز بين ما يعتبره المرشح مجرد تفضيل شخصي وما يراه شرطاً أساسياً. فهذا التفريق يساعد مسؤول التوظيف على فهم الأولويات الحقيقية للمتقدم وتحديد مدى إمكانية تلبيتها.
2. التوقعات Expectations
تعد التوقعات غير المعلنة من أكثر الأسباب التي قد تؤدي إلى سوء الفهم بعد التوظيف.
لذلك، من المفيد أن يسأل المسؤول المرشح عما ينتظره من المدير، والفريق، وطبيعة المهام، ومسار العمل. فكلما كانت التوقعات واضحة قبل توقيع العقد، أصبح من الأسهل معرفة ما إذا كانت الشركة والموظف يسيران في الاتجاه نفسه.
3. المتطلبات Requirements
قد يطرح المرشح مجموعة من الشروط المرتبطة بظروف العمل، لكن بعضها قد لا يكون متطلباً أساسياً بقدر ما هو تفضيل شخصي.
ومن هنا تبرز أهمية تحديد ما يعتبره المرشح ضرورياً فعلاً، وما يمكن التفاوض بشأنه. وإذا كانت بعض المطالب تتعارض بشكل جوهري مع طبيعة الوظيفة أو ثقافة الشركة، فإن اكتشاف ذلك خلال المقابلة أفضل بكثير من ظهوره بعد بدء العمل.
4. المفاتيح Keys
هناك جوانب شخصية لا تظهر بسهولة خلال مقابلة تقليدية، لكنها قد تكون مؤثرة في نجاح الموظف داخل الفريق.
لذلك يمكن لمسؤول التوظيف أن يسأل المرشح عن الأمور التي ينبغي معرفتها حتى يتمكن المدير من مساعدته على أداء عمله بشكل أفضل.
فقد يفضل شخص مثلاً تجنب المصافحة أو يكون أكثر ميلاً إلى الانطواء، بينما قد يحتاج آخر إلى تلقي الملاحظات بطريقة محددة أو يفضل الحصول على تقدير واضح لجهوده.
ولا يتعلق الأمر بتصنيف الموظفين، وإنما بفهم ما يحفزهم وكيف يمكن بناء بيئة تساعدهم على تقديم أفضل أداء.
5. الراتب Salary
يبقى الجانب المالي من أكثر العناصر حساسية في أي عملية توظيف، ولذلك ينبغي ألا يتم تأجيل مناقشة الراتب والمزايا إلى مراحل متقدمة من العملية.
فوضوح الطرفين بشأن مستوى التعويض والتوقعات المالية يمكن أن يجنب الشركة والمرشح الدخول في مفاوضات متأخرة أو اكتشاف اختلافات جوهرية بعد قطع مراحل طويلة من التوظيف.
وبقدر ما تكشف المقابلة عن شخصية المرشح، فإنها تمثل أيضاً فرصة للتأكد من أن التوقعات المالية والمهنية قابلة للتوافق مع العرض الذي تقدمه الشركة.
لا تقتصر التحديات على مضمون الأسئلة، بل تمتد أيضاً إلى الطريقة التي تتم بها المقابلة.
فبعض المصطلحات المهنية التقليدية التي اعتادت عليها الأجيال السابقة قد لا تكون الأكثر فاعلية عند التواصل مع جيل زد، الذي يميل إلى لغة أكثر مباشرة ووضوحاً وأقل رسمية.
لكن مواكبة هذا التغيير لا تعني التخلي عن المعايير المهنية أو تحويل المقابلة إلى حوار بلا قواعد، وإنما يتعلق الأمر بإيجاد أسلوب تواصل يسمح للطرفين بفهم بعضهما بشكل أفضل.
تكشف التحولات التي تعرفها مقابلات العمل مع جيل زد عن تغير أوسع في علاقة الموظف بالشركة.
فمسؤول التوظيف لم يعد مطالباً فقط باختبار مهارات المتقدم، بل أصبح بحاجة إلى فهم شخصيته وتوقعاته وما يحتاج إليه للنجاح. وفي المقابل، أصبح المرشح أكثر اهتماماً بمعرفة حقيقة الشركة قبل اتخاذ قرار الانضمام إليها.
وبذلك، تتحول مقابلة العمل تدريجياً من اختبار أحادي الاتجاه إلى عملية تقييم متبادلة، يحاول خلالها الطرفان الإجابة عن سؤال واحد: هل يمكن بناء علاقة مهنية ناجحة ومستقرة بينهما؟
وفي سوق عمل تتغير فيه توقعات الأجيال الجديدة بسرعة، قد يكون فهم هذه المعادلة أكثر أهمية من مجرد العثور على مرشح يمتلك المؤهلات المطلوبة على الورق.




