الاقتصادية

من ساعات العمل الطويلة إلى البحث عن الراحة.. تحول جديد في حياة الصينيين

بعد عقود ارتبط فيها الطموح الاقتصادي في الصين بساعات العمل الطويلة وتسارع وتيرة الإنجاز، بدأت معادلة النجاح تتغير تدريجياً. فبينما لا يزال العمل يحتل موقعاً مركزياً في حياة الملايين، تتزايد رغبة شريحة واسعة من الصينيين في اقتطاع مساحة أكبر للراحة والسفر والهوايات والعائلة، وكأن السؤال لم يعد فقط عن مقدار ما يمكن كسبه، بل عن مقدار الوقت الذي يمكن الاحتفاظ به بعيداً عن الوظيفة.

هذا التحول يبرز بصورة خاصة بين أبناء الطبقة الوسطى والشباب في المدن، في وقت يواجه فيه الاقتصاد الصيني تباطؤاً نسبياً، وتتزايد الضغوط المرتبطة بسوق العمل، بينما يثير التطور السريع للذكاء الاصطناعي تساؤلات حول مستقبل عدد من الوظائف.

على ساحل الصين الشمالي، بالقرب من بيدايخه، برز منتجع «أرانيا» بوصفه نموذجاً للحياة التي تبحث عنها شريحة من الطبقة الوسطى الصينية. فالمكان لا يكتفي بتوفير الإقامة والسياحة، بل يقدم تجربة تقوم على الابتعاد المؤقت عن ضغوط العمل، عبر التأمل والرياضة والفعاليات الثقافية والفنية.

وخلال العام الماضي، استقبل المجمع أكثر من 4.6 مليون زائر، مقارنة بنحو 3.4 مليون خلال 2024، في مؤشر يعكس تنامي الطلب على أنماط الترفيه والاستجمام المحلية.

ويجد الزوار في «أرانيا» مجموعة واسعة من الأنشطة، من الرياضات البحرية إلى المهرجانات الموسيقية والمسرحية والسينمائية، فضلاً عن زيارة المكتبة ذات التصميم المعماري اللافت والمطاعم المنتشرة في المنطقة.

ويمثل هذا المشهد جانباً من تحول أوسع داخل المجتمع الصيني؛ فصعود الطبقة الوسطى لم يؤد بالضرورة إلى التغيرات السياسية التي توقعها بعض المراقبين، لكنه ساعد في بناء سوق واسعة للخدمات والأنشطة التي تستهدف أشخاصاً يمتلكون قدرة إنفاق أكبر، لكنهم في الوقت نفسه يبحثون عن متنفس من ضغوط العمل وعن معنى للحياة خارج المسار المهني.

لطالما ارتبطت بيئة العمل الصينية بثقافة الإنجاز المكثف، ويجسد نموذج «996» هذه الفكرة بوضوح؛ إذ يشير المصطلح إلى العمل من التاسعة صباحاً حتى التاسعة مساءً، لستة أيام في الأسبوع.

وعلى الطرف المقابل ظهرت ظاهرة «Lying Flat» أو «الاستلقاء»، التي تعبر عن رغبة بعض الشباب في الانسحاب من المنافسة المهنية الشديدة والاكتفاء بأدنى مستوى من العمل والإنفاق.

لكن قطاعاً واسعاً من الطبقة الوسطى لا يبدو راغباً في تبني أي من النموذجين. فهؤلاء لا يريدون مغادرة سوق العمل، وإنما يسعون إلى تقليص هيمنته على حياتهم، والحصول على وقت أكبر للراحة والنشاطات الشخصية.

وتكتسب هذه الرغبة أهمية اقتصادية متزايدة. فبحلول 2025، كان أكثر من نصف الأسر الحضرية الصينية، بما يعادل نحو 200 مليون أسرة، ينتمون إلى فئة الطبقة فوق المتوسطة أو الفئات الأعلى منها، وفق تقديرات «ماكينزي»، بدخل سنوي يبلغ 165 ألف يوان على الأقل.

ومع توسع هذه الفئة، ظهرت فرص جديدة أمام قطاعات الترفيه والسفر والرياضة والهوايات. وأصبح من المعتاد أن تستقبل المسارات الجبلية، التي كانت تعتمد في السابق بدرجة أكبر على السياح الأجانب، أعداداً متزايدة من الصينيين الراغبين في تجربة المشي لمسافات طويلة وشراء المعدات المرتبطة بهذه الأنشطة.

لم تكن فكرة العمل الشاق جديدة على المجتمع الصيني، لكنها بدأت تتغير مع التحولات الاقتصادية التي انطلقت في أواخر سبعينيات القرن الماضي.

وفي عام 1995، أُدخل نظام عطلة نهاية الأسبوع المكونة من يومين، قبل أن تطلق الحكومة في 1999 ما عُرف بـ«الأسابيع الذهبية»، التي منحت السكان فترات أطول للسفر والراحة.

ومع تحسن مستويات المعيشة وارتفاع الدخول، بدأ وقت الفراغ يتحول تدريجياً إلى عنصر أساسي في تصور الناس لجودة الحياة. ويشير وانغ تشيان، الباحث في جامعة رينمين، إلى أن الفترة بين عامي 2017 و2018 مثلت مرحلة مهمة في هذا المسار، عندما أصبح عدد أكبر من الصينيين ينامون بصورة أفضل، ويمارسون أنشطة ترفيهية أكثر، مع الحفاظ على مستوى جيد من الدخل.

لكن هذا المسار تعرض لضغوط مع تباطؤ الاقتصاد. فقد أظهر مسح صادر عن مؤسسة بحثية حكومية تراجع متوسط وقت الفراغ خلال أيام الأسبوع من 5.91 ساعة في 2024 إلى 3.66 ساعة في 2025.

ورغم ذلك، يدافع وانغ عن فكرة تقليص أسبوع العمل إلى أربعة أيام، باعتبار أن زيادة الوقت المتاح للحياة الشخصية يمكن أن تصبح جزءاً من إعادة صياغة العلاقة بين العمل والاستهلاك والرفاه الاجتماعي.

تظهر هذه التغيرات بصورة أكثر وضوحاً لدى الشباب الصيني، الذين بدأ بعضهم يتعامل مع الوظيفة باعتبارها وسيلة لتحقيق حياة أفضل، وليس هدفاً قائماً بذاته.

وتجسد شين هويشان، البالغة 24 عاماً والعاملة في قطاع التجارة الإلكترونية، هذا التحول. فقد قررت الحصول على إجازة غير مدفوعة الأجر لمدة ثلاثة أيام للسفر إلى بوير، جنوب غربي الصين، حيث تشتهر المنطقة بإنتاج الشاي والقهوة.

وخلال الرحلة، شاركت مع نحو 50 سائحاً في جلسة للتعرف على صناعة القهوة، بدءاً من زراعة الحبوب وصولاً إلى إعدادها للشرب. وبينما لم يتفهم والداها قرارها بالتنازل عن أجر ثلاثة أيام مقابل هذه التجربة، ترى هي أن الوقت الذي تقضيه في مثل هذه الأنشطة جزء من الحياة التي تعمل من أجلها.

ولا تبدو هذه النظرة فردية تماماً. فعدد متزايد من الشباب يشعرون بأن العمل المكثف لم يعد يضمن المكاسب التي كان يوفرها في السابق، الأمر الذي أضعف ثقتهم في نموذج النجاح التقليدي القائم على التضحية المستمرة بالوقت مقابل تقدم مالي ومهني غير مضمون.

ويشير شيانغ بياو، من معهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا الاجتماعية في ألمانيا، إلى أن قلة من الشباب اختارت فعلياً الانسحاب من سوق العمل، لكن قطاعاً أوسع فقد ثقته في الثقافة المهنية التقليدية.

المفارقة أن الرغبة في العمل بوتيرة أبطأ تأتي في وقت لا يشعر فيه كثير من الصينيين بأن المستقبل الاقتصادي أصبح أكثر وضوحاً.

فتباطؤ الاقتصاد، إلى جانب المخاوف المتعلقة بسوق الوظائف والتأثير المحتمل للذكاء الاصطناعي، يمكن أن يدفع الموظفين في الاتجاه المعاكس تماماً، أي إلى زيادة الجهد والعمل لساعات أطول تحسباً لمستقبل أكثر صعوبة.

وفي ظل هذه المفارقة، يتحول الترفيه إلى وسيلة للتعامل مع الضغوط. فالذهاب إلى صالات الرياضة، وممارسة الألعاب الإلكترونية، ومتابعة الدراما القصيرة، والسفر القصير، كلها أصبحت طرقاً يلجأ إليها العاملون لاستعادة قدر من التوازن النفسي بعيداً عن متطلبات الوظيفة.

ومن هنا، لم يعد وقت الفراغ مجرد فترة لا يكون فيها الفرد في مكان العمل، بل أصبح بالنسبة إلى شريحة متزايدة جزءاً من الطريقة التي يفهم بها حياته واحتياجاته الشخصية.

يمكن ملاحظة التحول أيضاً في اهتمامات القراء. فوفق تشانغ تشن من سلسلة مكتبات «وان-واي سبيس»، تراجعت هيمنة الكتب التي تركز على الإدارة والنجاح المهني، في مقابل ارتفاع الاهتمام بموضوعات مثل التأمل الذاتي وإدارة الوقت والراحة.

ويعكس ذلك تحولاً في الأسئلة التي يطرحها الأفراد على أنفسهم. فبدلاً من التركيز حصراً على كيفية تحقيق المزيد من النجاح، أصبح الاهتمام يمتد إلى كيفية فهم الذات، وتنظيم الوقت، والتعامل مع الضغوط والاسترخاء.

وتحاول المكتبات والمتاجر الاستفادة من هذا الاتجاه عبر ابتكار تجارب تتجاوز بيع الكتب، مثل تنظيم حفلات مبيت داخل المكتبات وأمسيات تجمع القراءة بالمشروبات والأنشطة الاجتماعية.

تدرك السلطات الصينية أن توسيع مساحة وقت الفراغ يمكن أن يكون له أثر اقتصادي، إذ قد يؤدي إلى زيادة الإنفاق على السفر والترفيه والخدمات، كما قد يساعد على تحسين تجربة العاملين.

وفي أغسطس، حظي إشعار صادر عن حكومة مقاطعة خنان باهتمام واسع، بعدما دعا أصحاب العمل إلى تسهيل إجراءات الحصول على الإجازات، وحث المسؤولين على استخدام إجازاتهم بصورة كاملة. كما انتقدت مقاطعات أخرى ما وصفته بثقافة عمل غير صحية تجعل الموظفين مترددين في الاستفادة من حقوقهم في الإجازة.

لكن تشجيع الراحة لا يعني بالضرورة القبول بفكرة الابتعاد الكامل عن النشاط الاقتصادي. فقد واجه مفهوم «الاستلقاء» قيوداً وانتقادات من الجهات الرسمية والرقابية، ووصفته وزارة أمن الدولة الصينية هذا العام بأنه مفهوم يمكن أن تستغله جهات أجنبية، في حين فرضت منصات الإنترنت قيوداً على ما وصفته بالمحتوى شديد التشاؤم.

وهكذا، يبدو أن هناك فرقاً بين تشجيع الموظف على الحصول على إجازته والاستمتاع بحياته الشخصية، وبين تبني موقف يقوم على الانسحاب من المنافسة الاقتصادية والعمل بصورة شبه كاملة.

بالنسبة إلى كثير من الصينيين، لا تدور المسألة حول ترك العمل، وإنما حول إيجاد حياة أكثر تنوعاً إلى جانبه.

فجيسون جي، وهو مهندس من شنغهاي، يقسم وقته بين الرياضة والسفر والهوايات. ويجد في أنشطة مثل «هايروكس»، وهي رياضة ألمانية اكتسبت شعبية في الصين، وسيلة لاستثمار وقته في شيء لا يرتبط مباشرة بوظيفته.

كما يفضل بعض الأشخاص قضاء إجازات قصيرة مع أسرهم في فنادق ذات تصميمات معمارية مميزة، في حين تحولت مدن مثل بوير إلى وجهات تستقطب أشخاصاً يبحثون عن تجارب مرتبطة بالهوايات والثقافة والطبيعة.

وفي المدينة، تنتشر ورش الحرف اليدوية التي تسمح للزوار بصناعة حقائب مطبوعة بالزهور أو ملابس مصبوغة يدوياً، إلى جانب جولات في الغابات للبحث عن الفطر والنباتات.

وخلال إحدى هذه الرحلات، لخّصت وانغ كي يي، البالغة 26 عاماً، تجربتها بعبارة تختصر الكثير من هذا التحول: الشعور بأنها «ما زالت على قيد الحياة».

لكن التحول نحو حياة أكثر هدوءاً لا يزال مرتبطاً إلى حد كبير بالقدرة المالية.

فأبناء الأسر الميسورة في المدن الكبرى يستطيعون تحمل تكاليف السفر والإجازات والهوايات، بينما يظل كثير من الشباب المنحدرين من أسر مهاجرة أكثر ارتباطاً بالعمل والادخار، مواصلين نمطاً يشبه ما اتبعه آباؤهم.

وهذا يعني أن الرغبة في تقليل ساعات العمل قد تكون منتشرة، لكن القدرة الفعلية على تحقيقها ليست متساوية بين مختلف شرائح المجتمع.

وبالتالي، فإن وقت الفراغ نفسه أصبح يحمل بعداً طبقياً؛ فمن يستطيع شراء الوقت عبر تقليل ساعات العمل أو تحمل تكلفة السفر والترفيه يمتلك مساحة أوسع لإعادة ترتيب حياته، بينما يظل آخرون أكثر اعتماداً على العمل لتأمين احتياجاتهم ومستقبلهم.

في نهاية المطاف، يعكس التحول في نظرة الصينيين إلى العمل تغيراً أوسع في العلاقة بين الدخل والوظيفة وجودة الحياة.

ففي مرحلة النمو الاقتصادي السريع، كان الوعد بسيطاً نسبياً: العمل بجد يمكن أن يقود إلى دخل أعلى وحياة أكثر رخاءً. أما مع تباطؤ الاقتصاد وتزايد حالة عدم اليقين، فقد أصبح هذا الوعد أقل وضوحاً بالنسبة إلى قطاعات من المجتمع.

ويرى آرثر كروبر من شركة «جافيكال دراغونوميكس» أن العقد الاجتماعي يتجه تدريجياً بعيداً عن فكرة تحقيق أكبر قدر ممكن من المال، نحو تصور يركز بدرجة أكبر على حياة مستقرة ومستوى مقبول من الأمان الاقتصادي، مع مساحة للأنشطة الشخصية.

وبذلك، لا تبدو الصين أمام ثورة في مفهوم العمل بقدر ما تشهد إعادة تعريف تدريجية لقيمة الوقت. فالموظف لا يطالب بالضرورة بالتوقف عن العمل، والشاب لا يريد بالضرورة الانسحاب من الاقتصاد، لكن كليهما يسأل سؤالاً مختلفاً: ماذا تبقى من الحياة إذا استهلك العمل معظم الوقت؟

وقد يكون هذا السؤال، أكثر من أي شعار آخر، أحد المؤشرات على أن العلاقة بين الصينيين والعمل والإنفاق والراحة تدخل مرحلة جديدة، يصبح فيها امتلاك الوقت جزءاً من تعريف الرفاه، إلى جانب امتلاك المال.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى