شبهات معاملات نقدية تعيد أموال العقار غير المصرح بها إلى واجهة التحقيقات المالية

أعادت معاملات مالية مرتبطة بسوق العقار في المغرب ملف التعاملات النقدية غير المصرح بها إلى واجهة الاهتمام، بعدما كشفت عمليات رصد أولية عن تحركات مالية اعتُبرت غير اعتيادية داخل عدد من المشاريع السكنية، الأمر الذي دفع الجهات المختصة إلى التدقيق في مصادر الأموال وكيفية تسجيلها واستعمالها وفق ما أفادت به جريدة هسبريس .
وتتركز التحريات التي تقودها الهيئة الوطنية للمعلومات المالية على مجموعة من العمليات التي أظهرت، وفق المعطيات المتوفرة، اختلافا بين المداخيل المصرح بها للإدارة الجبائية وبين بعض التدفقات المالية المرتبطة بشركات عاملة في مجال التطوير والإنعاش العقاري.
وتشمل عملية التدقيق مقارنة المعطيات الواردة في التصريحات الجبائية مع كشوفات الحسابات البنكية والوثائق المحاسبية والعقود المبرمة مع الزبائن، فضلا عن طريقة أداء أثمان الشقق والوحدات السكنية، وذلك بهدف تحديد مدى تطابق القيمة المعلنة للمعاملات مع المبالغ التي تم تحصيلها فعليا.
وبحسب المعطيات المتاحة، فقد برزت مؤشرات الاشتباه عقب فحص معاملات مرتبطة بمشروعين سكنيين في الدار البيضاء والجديدة، حيث أثارت مبالغ نقدية مؤداة على شكل تسبيقات انتباه المراقبين. وتشير المعطيات إلى أن بعض هذه الدفعات بلغت حوالي 30 في المائة من قيمة الوحدات السكنية، دون أن تنعكس بشكل واضح في الحسابات الرسمية للشركات المعنية.
وأفضت المقارنات الأولية إلى رصد فجوات بين أرقام المبيعات المسجلة محاسبيا وبين المبالغ التي يشتبه في تداولها فعليا، ما دفع إلى توسيع نطاق البحث ليشمل ليس فقط طبيعة المخالفات المحتملة، وإنما أيضا المسار الذي سلكته الأموال بعد تحصيلها.
وفي هذا الإطار، يجري تتبع مجموعة من التحويلات التي يُشتبه في انتقال جزء منها من حسابات مرتبطة بالنشاط العقاري إلى حسابات شخصية، قبل إعادة استعمال الأموال في عمليات اقتناء عقارات أو تمويل مشاريع وأنشطة تجارية أخرى.
ويركز المحققون على معرفة ما إذا كانت هذه التحركات المالية مجرد معاملات منفصلة، أم أنها تدخل ضمن مسار يهدف إلى إعادة إدخال أموال غير معلنة إلى الدورة الاقتصادية عبر استثمارات وأصول يصعب، في مراحل لاحقة، تحديد مصدر تمويلها الأصلي.
كما امتدت الأبحاث إلى الجانب المحاسبي للمعاملات، مع فحص الفواتير والعقود والوثائق المالية المرتبطة بها، في ظل وجود شبهات بشأن إمكانية استخدام وثائق أو ترتيبات محاسبية لتغطية معاملات نقدية لم تظهر في السجلات الرسمية.
ويشمل التدقيق أيضا أدوار عدد من المتدخلين المحتملين في هذه العمليات، من بينهم محاسبون ومكاتب خبرة محاسبية ووسطاء، وذلك للتحقق من طبيعة الخدمات التي قدموها ومدى ارتباط الوثائق التي أعدوها بالمعاملات محل البحث.
وبالتوازي مع ذلك، يولي المراقبون أهمية خاصة للروابط المالية بين شركات وأشخاص ذاتيين، خصوصا عندما يتعلق الأمر بتحويلات متكررة أو متقاربة زمنيا، أو مبالغ متشابهة، أو استعمال عدة حسابات وشركات وسيطة في سلسلة واحدة من العمليات.
وتسعى التحريات، في هذه المرحلة، إلى تحديد الصورة الكاملة لحركة الأموال، انطلاقا من مصدرها الأول وصولا إلى وجهتها النهائية، مع التحقق مما إذا كانت المعاملات المرصودة ترتبط بمخالفات جبائية ومحاسبية فقط، أم أن طبيعتها قد تندرج ضمن شبهات أكثر خطورة تتعلق بتبييض الأموال.
وفي حال أسفرت عمليات التحليل المالي عن تعزيز مؤشرات الاشتباه، فإن الملفات المعنية قد تحال على الجهات القضائية المختصة لمواصلة البحث، وتحديد المسؤوليات المحتملة، واتخاذ الإجراءات القانونية التي تفرضها نتائج التحقيق.
وتسلط هذه القضية الضوء مجددا على أهمية مراقبة التدفقات المالية في القطاع العقاري، الذي يتميز بقيمة معاملات مرتفعة وتعدد المتدخلين، خصوصا مع اعتماد السلطات على مطابقة البيانات البنكية والجبائية والمحاسبية لرصد الفوارق والكشف عن الأموال التي قد تتحرك خارج القنوات المالية الرسمية.




