الاقتصادية

رون جونسون وتجربة جيه سي بيني الفاشلة عندما اصطدم التغيير بهوية العملاء

لم تكن أزمة جيه سي بيني في مطلع العقد الماضي مجرد تعثر عابر في المبيعات، بل تحولت إلى درس إداري بارز حول المخاطر التي قد تنتج عن محاولة تغيير هوية شركة راسخة في وقت قصير.

فقد دخلت سلسلة المتاجر الأمريكية مرحلة إعادة هيكلة واسعة مع وصول رون جونسون إلى منصب الرئيس التنفيذي، مدفوعًا بسجل مهني لامع ورؤية طموحة لإعادة تقديم الشركة إلى المستهلكين.

كان جونسون قد بنى سمعته في قطاع التجزئة بفضل أدواره السابقة في تارجت ثم آبل، حيث ارتبط اسمه بتطوير تجربة المتاجر وتحويلها إلى عنصر أساسي في علاقة المستهلك بالعلامة التجارية. ولذلك، بدا انتقاله إلى جيه سي بيني وكأنه فرصة نادرة لإعادة إحياء شركة عريقة كانت تبحث عن طريق جديد للنمو.

لكن المشروع الذي حمل وعودًا بإعادة اختراع الشركة انتهى خلال فترة قصيرة بنتائج عكسية. فالتغييرات الواسعة التي أطلقتها الإدارة الجديدة أربكت قاعدة العملاء، وأدت إلى تراجع المبيعات وارتفاع الخسائر، قبل أن يجد مجلس الإدارة نفسه مضطرًا إلى إنهاء تجربة جونسون بعد نحو 16 شهرًا فقط.

عندما تولى جونسون قيادة الشركة، كان مقتنعًا بأن أحد أبرز أسباب ضعفها يكمن في نموذج الخصومات الذي اعتمدته لعقود.

فجيه سي بيني كانت تستخدم القسائم والعروض المتكررة والتخفيضات لجذب المتسوقين، وهو نموذج رأى جونسون أنه أصبح قديمًا ويجعل عملية التسوق معقدة بالنسبة للمستهلك.

ومن هنا طرح استراتيجية تقوم على التخلي عن جزء كبير من هذه العروض والانتقال إلى سياسة أسعار منخفضة وثابتة، بحيث يعرف العميل السعر الحقيقي للمنتج دون الحاجة إلى انتظار قسيمة أو حملة ترويجية.

ولم يتوقف التغيير عند الأسعار، إذ شملت الخطة إعادة تصميم المتاجر وإنشاء مساحات مخصصة لعلامات تجارية مختلفة، في محاولة لتحويل الفروع إلى بيئة تسوق أكثر حداثة وجاذبية.

وكانت الرؤية تتجاوز تحسين المبيعات قصيرة الأجل؛ إذ أراد جونسون إعادة بناء صورة جيه سي بيني بالكامل، والتخلص من ارتباطها التقليدي بالخصومات، واستقطاب عملاء جدد أكثر شبابًا وإنفاقًا.

لكن الخطة اصطدمت سريعًا بحقيقة لم تحظَ بالقدر الكافي من الاهتمام: العملاء لم يكونوا يتعاملون مع القسائم باعتبارها مجرد أداة تسويقية مزعجة.

بالنسبة إلى كثير من المتسوقين، كان البحث عن الخصومات جزءًا من تجربة الشراء نفسها. فالعميل يدخل المتجر وهو يعرف أن هناك عروضًا يمكن الاستفادة منها، ويقارن الأسعار، ويبحث عن القسيمة المناسبة، ثم يشعر بأنه حصل على صفقة جيدة.

وبالتالي، فإن إزالة هذا النظام لم تكن مجرد عملية حسابية تتعلق بخفض الأسعار، بل كانت تغييرًا في السلوك الذي اعتاد عليه المستهلكون.

اعتمد جونسون على افتراض أن العملاء سئموا من نظام القسائم وسيرحبون تلقائيًا بالأسعار المنخفضة المباشرة. لكن هذا الافتراض لم يخضع لاختبار واسع قبل تطبيقه، وهو ما جعل الشركة تتحمل تكلفة التجربة على مستوى شبكة متاجرها بدلًا من اكتشاف نقاط الضعف في نطاق محدود.

وهنا ظهر أحد أكبر أوجه الاختلاف بين تجربة جونسون في آبل وتجربته في جيه سي بيني.

لماذا نجحت فلسفة جونسون في آبل وفشلت في جيه سي بيني؟

في آبل، كان المتجر جزءًا من منظومة متكاملة تقوم على منتجات ذات هوية قوية وتجربة استخدام مختلفة، إلى جانب قاعدة عملاء غالبًا ما تدخل المتجر وهي تعرف العلامة التجارية والمنتج الذي تبحث عنه.

أما جيه سي بيني فكانت تعمل في سوق أكثر اعتمادًا على المقارنة والمنافسة السعرية. فالملابس والأدوات المنزلية والعديد من المنتجات التي تبيعها الشركة كانت متاحة أيضًا لدى منافسين كبار مثل وول مارت وتارجت وغيرهما.

لذلك لم يكن المتجر قادرًا على الاعتماد على قوة المنتج أو التجربة وحدها للحفاظ على العميل.

كان السعر، والعلامات التجارية، والعروض الترويجية، والشعور بالحصول على صفقة جيدة، عناصر مؤثرة في قرار الشراء.

وهكذا، فإن ما بدا بالنسبة إلى جونسون نموذجًا قديمًا يجب التخلص منه كان في الواقع جزءًا من القيمة التي اعتاد العملاء الحصول عليها.

في البداية، استقبل المستثمرون خطة جونسون بتفاؤل، وارتفع سهم الشركة بنحو 24% بعد الإعلان عن الاستراتيجية، وسط آمال بأن يتمكن الرئيس التنفيذي الجديد من تكرار نجاحاته السابقة.

لكن النتائج التشغيلية بدأت سريعًا في السير عكس التوقعات.

تراجعت المبيعات، وارتفعت الخسائر، وازدادت الضغوط على السيولة النقدية، فيما بدأت الأسواق تعيد تقييم قدرة الإدارة الجديدة على تنفيذ التحول.

ومع مرور الوقت، تحول التفاؤل الأولي إلى تشكك متزايد، وفقد سهم الشركة لاحقًا أكثر من نصف قيمته، لتصبح استراتيجية إعادة الاختراع نفسها مصدرًا رئيسيًا للقلق بين المستثمرين.

كان جونسون يرى أن خطته تحتاج إلى عدة سنوات حتى تظهر نتائجها الكاملة، إلا أن تدهور الأداء جعل هامش الانتظار أضيق بكثير.

ومع استمرار الخسائر، تصاعدت الانتقادات داخل الشركة وخارجها، بما في ذلك من المستثمر الناشط بيل أكرمان، الذي كان من أبرز الداعمين لوصول جونسون إلى منصب الرئيس التنفيذي، قبل أن يصبح أكثر انتقادًا لنتائج التجربة.

كما تراجعت حزمة تعويضات جونسون لعام 2012 بنحو 97% إلى حوالي 1.9 مليون دولار، في مؤشر إضافي على حجم الضغوط التي واجهتها الإدارة.

وبعد نحو 16 شهرًا فقط، قرر مجلس الإدارة إقالة جونسون وإنهاء التجربة.

وعاد مايك أولمان، الرئيس التنفيذي السابق، إلى قيادة الشركة في محاولة لإعادة بناء العلاقة مع العملاء واستعادة بعض عناصر النموذج التجاري القديم.

وكانت من أبرز الخطوات التراجع عن عدد من قرارات جونسون، بما في ذلك إعادة القسائم وبعض العلامات التجارية التي كانت الشركة قد تخلت عنها.

تكشف تجربة رون جونسون أن الخبرة السابقة قد تتحول أحيانًا من ميزة إلى مصدر للخطر عندما تدفع المدير إلى الاعتقاد بأن النموذج الذي نجح في شركة ما يمكن نسخه في شركة أخرى.

لم يكن جونسون يفتقر إلى الخبرة أو الأفكار، بل ربما كان يمتلك قدرًا كبيرًا منهما. لكن المشكلة تمثلت في تطبيق فلسفة ناجحة في بيئة مختلفة، دون إعطاء السلوك التاريخي لعملاء جيه سي بيني الوزن الكافي.

فالشركة لم تكن بحاجة بالضرورة إلى التخلي عن هويتها بالكامل، وإنما إلى تطويرها بطريقة تدريجية تحافظ على العناصر التي جعلت العملاء يعودون إليها.

لم يكن فشل تجربة جونسون دليلًا على أن الشركات لا تحتاج إلى التغيير، بل على أن التغيير الناجح يبدأ من فهم ما يجب الحفاظ عليه قبل تحديد ما يجب تغييره.

فالعلامة التجارية ليست مجرد شعار أو تصميم متجر أو سياسة أسعار، وإنما شبكة من العادات والتوقعات التي تتشكل عبر سنوات طويلة بين الشركة وعملائها.

وفي حالة جيه سي بيني، اكتشفت الإدارة أن القسائم والخصومات لم تكن مجرد أدوات ترويجية يمكن حذفها بقرار إداري، بل كانت جزءًا من الطريقة التي ينظر بها العملاء إلى قيمة المنتجات وتجربة التسوق.

ولهذا، فإن أهم درس من تجربة رون جونسون لا يتعلق بالفشل في تنفيذ خطة استراتيجية فحسب، وإنما بخطورة افتراض أن ما جعل شركة ما ناجحة يمكن أن يجعل شركة أخرى ناجحة بالضرورة.

فالابتكار لا يعني دائمًا البدء من الصفر، وإعادة اختراع الشركة لا تعني بالضرورة هدم كل ما سبق. وفي كثير من الأحيان، يكون الطريق الأكثر أمانًا نحو التحول هو فهم هوية المؤسسة أولًا، ثم تطويرها تدريجيًا بما يتناسب مع توقعات عملائها بدلًا من إجبار العملاء على التكيف مع هوية جديدة لم يطلبوها.

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى