اقتصاد المغربالأخبار

تراجع البطالة: تعافٍ اقتصادي حقيقي أم إعادة تعريف للبيانات؟

عاد ملف البطالة في المغرب إلى واجهة النقاش الاقتصادي، بعد الإعلان عن تراجع المعدل الوطني إلى 9.5 في المائة، وهو التطور الذي أثار تساؤلات حول طبيعة العوامل التي ساهمت في هذا الانخفاض، وما إذا كان يعكس تحسناً فعلياً في سوق الشغل أم يرتبط بشكل أكبر بتغيرات في طريقة احتساب المؤشر.

ورغم تأكيد الحكومة على أهمية هذا التراجع باعتباره مؤشراً إيجابياً، فإن عدداً من الخبراء الاقتصاديين اعتبروا أن قراءة الأرقام الجديدة تستوجب التوقف عند التحولات التي عرفتها منهجية قياس البطالة، إضافة إلى طبيعة فرص الشغل التي تم خلقها خلال الفترة الأخيرة ومدى استدامتها.

وفي هذا السياق، أوضح الخبير الاقتصادي محمد طلال لحلو أن تعديل بعض المعايير المعتمدة في احتساب البطالة كان له تأثير مباشر على النتائج النهائية، مشيراً إلى أن اعتماد تعريف أكثر تضييقاً للعاطلين أدى إلى إعادة تصنيف بعض الأشخاص، خاصة الذين توقفوا عن البحث النشط عن وظيفة بسبب فقدان الأمل في إيجاد عمل، ضمن فئة القوى العاملة المحتملة بدل احتسابهم ضمن العاطلين.

واعتبر لحلو أن هذا التغيير المنهجي ساهم في تقليص المعدل الرسمي للبطالة بعدة نقاط مئوية، مؤكداً أن هذا الانخفاض لا يعكس بالضرورة تحولاً جذرياً في واقع سوق الشغل، الذي لا يزال يواجه تحديات كبيرة، خصوصاً فيما يتعلق بإدماج الشباب وتوفير وظائف مستقرة وذات جودة.

وبخصوص إعلان الحكومة عن إحداث نحو 279 ألف منصب شغل، أرجع الخبير الاقتصادي جزءاً مهماً من هذا التطور إلى تحسن الظروف المناخية وعودة النشاط الفلاحي بعد التساقطات المطرية التي عرفها الموسم الأخير، عقب سنوات من الجفاف أثرت على القطاع.

وأشار إلى أن ارتفاع التشغيل في المجال الفلاحي يبقى مرتبطاً بدرجة كبيرة بالعوامل الموسمية والظروف الطبيعية، موضحاً أن هذا النوع من المناصب لا يعكس بالضرورة تحولاً هيكلياً في سوق العمل أو قدرة مستدامة على خلق فرص شغل جديدة.

وأضاف أن الفارق المسجل بين معدل البطالة السابق والحالي لا يمكن تفسيره فقط بارتفاع عدد الوظائف المحدثة، معتبراً أن جزءاً من التحسن يعود إلى التغيير في طريقة تصنيف بعض الفئات داخل الإحصاءات الرسمية، فيما يرتبط الجزء الآخر بانتعاش ظرفي لبعض الأنشطة الاقتصادية.

من جانبه، وجه الخبير الاقتصادي سمير شوقي انتقادات لطريقة تعديل منهجية احتساب البطالة، داعياً إلى الحفاظ على استقلالية المندوبية السامية للتخطيط وحيادها باعتبارها مؤسسة وطنية تضطلع بمهمة إنتاج مؤشرات اقتصادية واجتماعية يعتمد عليها في تقييم السياسات العمومية.

واعتبر شوقي أن توقيت إدخال هذه التغييرات يثير نقاشاً، بالنظر إلى أهمية مؤشرات التشغيل في قياس الأداء الاقتصادي والاجتماعي، مشدداً على ضرورة أن تعكس الأرقام الرسمية الواقع الميداني الذي يعيشه المواطنون.

كما أثار الخبير الاقتصادي جدلاً حول بعض المعايير الجديدة المتعلقة بتصنيف الباحثين عن العمل، متسائلاً عن مدى دقة استبعاد بعض الأشخاص من دائرة البطالة رغم استمرار ارتباطهم بسوق الشغل ورغبتهم في إيجاد فرص عمل.

ويأتي هذا النقاش في وقت يظل فيه التشغيل أحد أكبر التحديات الاقتصادية بالمغرب، حيث لا يزال سوق العمل يواجه إشكالات مرتبطة ببطالة الشباب، وضعف جودة بعض الوظائف، والحاجة إلى الانتقال من خلق مناصب ظرفية إلى توفير فرص شغل مستدامة تواكب التحولات الاقتصادية والاجتماعية.

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى