الاقتصادية

النحاس أمام موجة صعود محتملة مع اشتداد المنافسة على الإمدادات العالمية

تتجه أسواق النحاس نحو مرحلة جديدة من الضغوط، مع تصاعد عمليات تخزين المعدن في الولايات المتحدة والصين وتباطؤ نمو الإنتاج الصيني، ما قد يدفع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة خلال السنوات المقبلة.

ووفق تقديرات دويتشه بنك (Deutsche Bank)، قد يصل سعر النحاس إلى نحو 10 دولارات للرطل، أي ما يعادل قرابة 22,050 دولارًا للطن، بحلول الربع الثاني من عام 2027، وهو مستوى يعكس ارتفاعًا يقارب 50% مقارنة بالأسعار الحالية.

ويرتبط هذا السيناريو بصورة أساسية بالتغيرات التي يشهدها توزيع مخزونات النحاس عالميًا. وتشير تقديرات البنك إلى أن الولايات المتحدة والصين قد تستحوذان مجتمعَتين على نحو 71% من الإمدادات العالمية من النحاس بحلول نهاية العام الحالي، إذا استمرت وتيرة التخزين الحالية.

وتواصل الصين منذ سنوات تعزيز مخزونها الاستراتيجي من المعدن، في حين ساهمت التهديدات الأميركية بفرض رسوم جمركية على واردات النحاس في جذب مزيد من الكميات إلى المستودعات داخل الولايات المتحدة.

ويرى محللون أن استمرار هذا الاتجاه لفترة طويلة قد يؤدي إلى تضييق شديد في الكميات المتاحة للمستهلكين في بقية الأسواق العالمية. ووفق تحليل أعده غالي، فإن استمرار عمليات التخزين بالمعدلات الحالية قد يفضي إلى وضع تصبح فيه إمدادات النحاس المتاحة للمستخدمين حول العالم شديدة الندرة بحلول نهاية عام 2028.

لكن ارتفاع الأسعار نفسه قد يكون عاملًا في تخفيف حدة الأزمة، إذ يمكن أن يدفع بعض الصناعات إلى البحث عن بدائل للنحاس، وفي مقدمتها الألومنيوم، الذي يتمتع بتكلفة أقل ويمكن استخدامه في عدد من التطبيقات، رغم كونه أقل كفاءة في التوصيل الكهربائي.

ويشير دويتشه بنك إلى أن الأسعار الحالية لم تصل بعد إلى مستوى يكفي لإحداث تحول واسع النطاق من النحاس إلى مواد بديلة.

ولا يرتبط مستقبل السوق فقط بقرار الولايات المتحدة بشأن الرسوم الجمركية. فحتى في حال عدم تطبيق رسوم جديدة، قد تستمر كميات كبيرة من النحاس في البقاء داخل السوق الأميركية نتيجة للفوارق السعرية بين الأسواق.

وتتداول العقود الآجلة للنحاس في الولايات المتحدة حاليًا بعلاوة مقارنة بالأسعار المسجلة في بورصة لندن للمعادن (LME)، الأمر الذي يوفر حافزًا لإبقاء المعدن داخل الولايات المتحدة بدل إعادة تصديره إلى الأسواق الأخرى.

كما أن امتلاك بورصة لندن للمعادن مستودعات داخل الولايات المتحدة يعني أن المعدن المخزن هناك قد ينتقل ببساطة بين منشآت تخزين مختلفة داخل البلاد إذا تراجعت العلاوة السعرية، بدلًا من خروجه من السوق الأميركية.

وفي الجانب الآخر من السوق، تواجه صناعة النحاس الصينية ضغوطًا متزايدة، مع توقعات بأن يسجل إنتاج النحاس المكرر هذا العام أبطأ معدل نمو له منذ عقود.

وتشير تقديرات وود ماكنزي (Wood Mackenzie) وزيجين تيانفنغ فيوتشرز (Zijin Tianfeng Futures) إلى أن إنتاج النحاس المكرر في الصين قد يرتفع بنحو 3% إلى 3.4% فقط خلال العام الحالي، مقارنة بزيادة بلغت 10.4% في 2025.

ووفق مراجعة لبيانات رسمية أجرتها «رويترز»، فإن هذه الوتيرة ستكون الأبطأ منذ عام 2000 على الأقل.

ورغم تسجيل الإنتاج نموًا بنسبة 4% خلال الفترة الممتدة من يناير إلى أغسطس، يتوقع محللون أن تتراجع وتيرة النمو بصورة أكثر وضوحًا خلال الربع الأخير من العام.

وتأتي هذه الضغوط في وقت تواجه فيه المصاهر الصينية صعوبة متزايدة في تأمين المواد الخام، خصوصًا مركزات النحاس والخردة. كما أدت حملة مكافحة التهرب الضريبي إلى تقليص إمدادات خردة النحاس، ما زاد من حدة النقص الذي تعاني منه المصاهر منذ فترة طويلة في مركزات النحاس.

وقال راغاف جاين، رئيس تسعير النحاس لدى «أرغوس (Argus)»، إن تراجع إمدادات الخردة بالتزامن مع انخفاض توافر المركزات يحد من قدرة المصاهر على التحول بين مصادر المواد الخام المختلفة.

ولا تقتصر الضغوط التي تواجهها المصاهر الصينية على نقص المواد الخام، إذ تراجعت أيضًا أسعار حمض الكبريتيك، وهو أحد المنتجات الثانوية لعمليات صهر النحاس وكان يوفر مصدرًا إضافيًا للإيرادات ساعد المصانع على الحفاظ على ربحيتها رغم انخفاض رسوم المعالجة.

وبحسب بيانات شركة «أويلكيم (Oilchem)»، تراجعت أسعار حمض الكبريتيك بنحو 11% خلال سبتمبر، ما زاد الضغوط المالية على المصاهر.

وفي مؤشر إضافي على تراجع الإنتاج، تستعد سبعة مصاهر صينية لإجراء أعمال صيانة تتراوح مدتها بين 30 و60 يومًا خلال أكتوبر ونوفمبر. ووفق تقديرات شركة تشووتشانغ الاستشارية، قد تؤدي هذه التوقفات إلى خفض إنتاج النحاس المكرر بنحو 80 ألف طن متري.

وتعود جذور الضغوط الحالية إلى التوسع السريع في قدرات صهر النحاس حول العالم، والذي تجاوز في السنوات الأخيرة معدل نمو إمدادات المركزات، ما أدى إلى اتساع فجوة استمرت لسنوات بين طاقة المصاهر والمواد الخام المتاحة لها.

وزادت اضطرابات الإنتاج في عدد من المناجم الكبرى من صعوبة الوضع، بعد حوادث أثرت في الإمدادات من مناجم رئيسية، من بينها إسكونديدا في تشيلي التابع لشركة BHP، ولاس بامباس التابع لشركة MMG، وإل تينيينتي التابع لشركة Codelco.

ومع دخول السوق مرحلة يتراجع فيها نمو الإنتاج الصيني بالتزامن مع استمرار المنافسة العالمية على المخزونات، تبدو أسعار النحاس أمام عوامل دعم إضافية خلال الأشهر المقبلة.

وفي هذا السياق، توقع برايان بنغ، المحلل لدى شركة CRU الاستشارية، في 23 سبتمبر، أن يصل متوسط سعر النحاس إلى 14,500 دولار للطن خلال الربع الرابع، مقارنة بنطاق تراوح بين 11,700 و14,875 دولارًا للطن حتى الآن.

وتشير هذه التطورات مجتمعة إلى أن سوق النحاس يواجه معادلة أكثر تعقيدًا، تجمع بين محدودية الإمدادات، وتراجع نمو الإنتاج، وتزايد التخزين في أكبر اقتصادين مستهلكين، وهي عوامل قد تبقي المعدن تحت أنظار المستثمرين والصناعات المعتمدة عليه خلال الفترة المقبلة.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى