الاقتصادية

المواهب والتكنولوجيا لا تكفي.. كيف تصنع ثقافة العمل شركات أكثر نجاحاً؟

قد تنجح الشركة في استقطاب أفضل المواهب، وامتلاك أحدث التقنيات، وتوفير ميزانيات ضخمة للتوسع، لكنها قد تظل عاجزة عن تحقيق أفضل نتائجها إذا لم تتمكن من بناء بيئة عمل تجعل هذه الإمكانات تعمل في الاتجاه نفسه.

فداخل المؤسسات، لا تتحدد مستويات الأداء فقط بما يمتلكه الموظفون من مهارات، وإنما أيضاً بطريقة تواصلهم، ومدى ثقتهم ببعضهم، ووضوح الأدوار الموكلة إليهم، وقدرتهم على التعاون، وشعورهم بأن ما يقومون به يرتبط بهدف أكبر.

ولهذا تحولت الثقافة المؤسسية خلال السنوات الأخيرة من مفهوم إداري ثانوي إلى أحد الملفات التي تشغل القيادات التنفيذية، خصوصاً مع اشتداد المنافسة على الكفاءات وارتفاع تكلفة فقدان الموظفين وصعوبة الحفاظ على فرق قادرة على الابتكار في بيئة متغيرة.

ومع ذلك، فإن تغيير الثقافة داخل الشركات يظل من أصعب المشاريع الإدارية. فالكثير من المؤسسات تنفق أموالاً على برامج التدريب وإعادة هيكلة فرق العمل وإطلاق مبادرات جديدة، قبل أن تكتشف أن تغيير الشعارات والسياسات لا يعني بالضرورة تغيير الطريقة التي يتصرف بها الموظفون في حياتهم المهنية اليومية.

Tackle the Tech Talent Shortage by Growing Your Own

وتكمن المشكلة في أن الثقافة المؤسسية لا توجد في وثيقة رسمية فقط، بل تظهر في تفاصيل العمل اليومية: كيف يتحدث المدير مع فريقه، وهل يستطيع الموظف التعبير عن رأيه، وكيف تتعامل المؤسسة مع الخطأ، وهل يعرف كل شخص مسؤولياته، وهل يشعر العاملون بأن جهودهم تحدث فرقاً.

ومن هنا يطرح تحول الثقافة سؤالاً أساسياً أمام الإدارات: ما الذي يجعل بعض فرق العمل أكثر قدرة على التعاون والابتكار وتحقيق النتائج من غيرها؟

تكشف نتائج أبحاث امتدت لنحو 15 عاماً أن تغيير الثقافة المؤسسية لا يزال مهمة شديدة التعقيد بالنسبة للشركات.

وبحسب أبحاث أجرتها شركة «ماكينزي»، لا تتجاوز نسبة المبادرات الناجحة في التحول الثقافي نحو 30%، ما يعني أن غالبية البرامج التي تطلقها المؤسسات لا تحقق الأثر المطلوب بالشكل الكامل.

ولا تقتصر المشكلة على الثقافة العامة، إذ تشير البيانات إلى أن فرق الإدارة العليا ذات الأداء المرتفع تمثل نحو 18% فقط من إجمالي فرق القيادة، بينما ترتفع النسبة إلى قرابة 30% عند النظر إلى فرق العمل داخل المؤسسات بصورة عامة.

وتشير هذه النتائج إلى أن وجود استراتيجية واضحة أو مجموعة من القيم المعلنة لا يكفي لبناء مؤسسة عالية الأداء.

فالثقافة تحتاج إلى أن تتحول من أفكار مكتوبة إلى سلوكيات قابلة للملاحظة والقياس، وهو ما يجعل عملية التغيير أكثر تعقيداً من إطلاق مبادرة جديدة أو تنظيم دورة تدريبية.

كما أن آثار التحول الثقافي لا تظهر بسرعة، إذ قد تحتاج الشركات إلى نحو ثلاث سنوات في المتوسط حتى تصبح نتائج التغيير أكثر وضوحاً، الأمر الذي قد يدفع بعض الإدارات إلى فقدان الصبر قبل اكتمال العملية.

أمام صعوبة قياس الثقافة المؤسسية، ظهرت الحاجة إلى نماذج أكثر عملية تساعد القادة على تحديد نقاط القوة والضعف داخل فرقهم.

ويقدم نموذج «5Cs» إطاراً يقوم على خمسة عناصر مترابطة يرى أنها تشكل أساساً للفرق عالية الأداء والثقافات التنظيمية الأكثر ازدهاراً.

Workplace In 2025: Shaping The Future Of Talent, Technology And Culture

وتتمثل هذه العناصر في الترابط، والتواصل الصريح، والوضوح، والتعاون، والمساهمة.

ويتميز النموذج بمحاولة التعامل مع هذه العناصر باعتبارها عوامل قابلة للقياس والتطوير، بدلاً من تركها في إطار المفاهيم الإدارية العامة.

وتشير النتائج المرتبطة بالنموذج إلى أنه يفسر نحو 50% من التباين في رضا الموظفين عن وظائفهم، ونحو 80% من الاختلاف في مستويات رضاهم عن الثقافة التنظيمية.

كما تظهر النتائج أن لكل عنصر تأثيراً مختلفاً؛ فالترابط يرتبط بصورة أكبر بالرضا الوظيفي، في حين يظهر التواصل الصريح كأحد أقوى المؤشرات على ارتفاع أداء الفرق.

خمسة عناصر تصنع بيئة العمل القوية

1. الترابط.. البداية من الثقة والانتماء

لا يمكن بناء فريق فعال من دون وجود روابط إنسانية ومهنية قوية بين أفراده.

فالترابط يتجاوز فكرة التعاون في إنجاز المهام ليشمل شعور الموظف بأنه ينتمي فعلاً إلى المؤسسة والفريق، وأن بإمكانه الاعتماد على زملائه ومديريه.

كما يرتبط هذا العنصر بالشعور بالأمان والاحترام والاهتمام برفاهية الموظفين، بما يساعد على خلق بيئة يمكن فيها للأفراد طلب المساعدة وتبادل المعرفة دون تردد.

وعندما ترتفع الثقة بين أعضاء الفريق، يصبح التعاون أكثر طبيعية، ويصبح الموظفون أكثر استعداداً لتحمل المسؤولية والمشاركة في حل المشكلات.

ولهذا ينبغي على القادة تقييم طبيعة العلاقات داخل فرقهم باستمرار، وعدم الاكتفاء بقياس النتائج والأرقام.

2. التواصل الصريح.. بيئة تسمح بطرح الأسئلة

قد يكون الصمت داخل المؤسسة مريحاً على المدى القصير، لكنه قد يخفي مشكلات كبيرة.

فالموظف الذي لا يشعر بالأمان للتعبير عن رأيه قد يفضل الاحتفاظ بملاحظاته لنفسه، حتى عندما يرى خطأً أو فرصة لتحسين العمل.

وهنا يأتي دور التواصل الصريح، الذي يتيح للأفراد طرح الأفكار والأسئلة والانتقادات دون الخوف من العقاب أو التهميش.

ويشمل ذلك أيضاً تقديم الملاحظات بصورة بناءة، وإدارة الخلافات بدلاً من إخفائها، وضمان وصول المعلومات الضرورية إلى الأشخاص المعنيين.

فالفرق عالية الأداء ليست بالضرورة الفرق التي لا تختلف، وإنما الفرق التي تستطيع تحويل الاختلاف إلى نقاش يساعد على الوصول إلى قرارات أفضل.

3. الوضوح.. تحديد المسؤوليات والأهداف

من الصعب مطالبة الموظفين بتحقيق نتائج متميزة إذا لم تكن لديهم صورة واضحة عما هو مطلوب منهم.

فغموض الأدوار قد يؤدي إلى تداخل المسؤوليات، وتكرار الجهود، وتأخر القرارات، بل وقد يخلق صراعات داخل الفريق حول من يتحمل مسؤولية مهمة معينة.

لذلك يركز عنصر الوضوح على تحديد الأدوار والمسؤوليات والإجراءات والأهداف بصورة يفهمها جميع أفراد الفريق.

كما ينبغي أن يعرف الموظف كيف يرتبط عمله بالنتيجة النهائية، حتى يدرك أن مهمته ليست منفصلة عن أهداف المؤسسة.

وتساعد الأهداف الواضحة والبسيطة على توجيه الجهود نحو الأولويات، بدلاً من توزيع الموارد والوقت على مهام لا تحقق قيمة حقيقية.

4. التعاون.. عندما تصبح النتيجة مسؤولية جماعية

وجود موظفين يعملون في المكان نفسه لا يعني بالضرورة أنهم يشكلون فريقاً متعاوناً.

فالتعاون الحقيقي يظهر عندما يتشارك الأفراد المسؤولية عن النتائج، ويتبادلون الخبرات، ويقدمون الدعم لبعضهم، ولا ينظر كل موظف إلى نجاحه باعتباره إنجازاً منفصلاً عن الفريق.

كما يتطلب التعاون وجود قدر من المساءلة المتبادلة، بحيث يعرف كل فرد أن مستوى أدائه يمكن أن يؤثر في زملائه وفي النتيجة النهائية.

وتصبح هذه القيمة أكثر أهمية في المؤسسات التي تعتمد على تخصصات متعددة، حيث لا يمكن لفريق واحد أن يمتلك جميع الخبرات اللازمة لحل المشكلات المعقدة.

5. المساهمة.. الموظف يريد أن يعرف لماذا يعمل

لا يرتبط التحفيز دائماً بالراتب أو المزايا؛ ففي كثير من الأحيان يحتاج الموظف أيضاً إلى فهم قيمة ما يقوم به.

فعندما يعرف العامل كيف يساهم دوره في تحقيق أهداف الشركة أو تحسين تجربة العملاء أو خلق قيمة للمجتمع، يصبح أكثر قدرة على رؤية المعنى وراء مهامه اليومية.

ولهذا يركز عنصر المساهمة على ربط العمل الفردي برسالة المؤسسة واستراتيجيتها، إلى جانب الاعتراف بالإنجازات وتوضيح أثر جهود الموظفين.

كما أن القيم المؤسسية لا تصبح جزءاً من الثقافة بمجرد إدراجها في دليل الموظفين، بل عندما تتحول إلى سلوكيات فعلية تظهر في طريقة اتخاذ القرارات وإدارة الفرق والتعامل مع التحديات.

يظهر من نموذج «5Cs» أن بناء ثقافة مؤسسية قوية لا يمكن اختزاله في حملة داخلية أو برنامج تدريبي قصير.

فالتحول الحقيقي يحتاج إلى قياس مستمر ومراجعة دورية وقدرة على تعديل الممارسات عندما تظهر فجوات بين القيم المعلنة والسلوك الفعلي.

كما أن العناصر الخمسة تعمل ضمن منظومة واحدة؛ فالترابط يحتاج إلى الثقة، والتواصل الصريح يحتاج إلى بيئة آمنة، والوضوح يحتاج إلى أهداف ومسؤوليات محددة، والتعاون يقوم على المسؤولية المشتركة، بينما تمنح المساهمة الموظف إحساساً بالغاية.

وقد تمتلك المؤسسة أهدافاً واضحة وموظفين ذوي كفاءة، لكنها لن تحقق كامل إمكاناتها إذا كان العاملون يخشون التعبير عن آرائهم. وبالمثل، لن يكفي التواصل الجيد إذا كان الموظفون لا يعرفون حدود مسؤولياتهم أو الأولويات التي يعملون من أجلها.

لم تعد الثقافة المؤسسية مجرد مسؤولية تقع على عاتق إدارة الموارد البشرية، بل أصبحت قضية ترتبط مباشرة بقدرة الشركة على الحفاظ على المواهب وتحسين الأداء وتعزيز الابتكار.

فما تقوله المؤسسة عن قيمها لا يحدد ثقافتها بالضرورة، وإنما ما يراه الموظفون ويختبرونه كل يوم هو الذي يصنع الصورة الحقيقية.

وعندما تنجح الشركات في بناء بيئة تقوم على الثقة والتواصل والوضوح والتعاون والشعور بقيمة المساهمة، فإنها لا تحسن تجربة الموظفين فحسب، بل تخلق أيضاً أرضية أكثر ملاءمة لتحقيق نتائج مستدامة.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى