اقتصاد المغربالأخبار

المغرب يوسع رهانه على الغاز الطبيعي لتعزيز أمن الطاقة وجذب استثمارات كبرى في القطاع

مع تصاعد التحديات المرتبطة بأمن الطاقة عالمياً، يسرّع المغرب خطواته لبناء منظومة طاقية أكثر تنوعاً، تجمع بين التوسع في الطاقات المتجددة وتطوير موارد الغاز الطبيعي، باعتباره مكوناً أساسياً لضمان استقرار الإمدادات ومواكبة النمو الصناعي خلال المرحلة المقبلة.

وفي هذا الإطار، أكدت المديرة العامة للمكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن (ONHYM)، أمينة بنخضرة، أن المملكة تمتلك مؤهلات قوية تجعلها سوقاً واعدة في مجال الطاقة، بفضل تنوع بنيتها الجيولوجية، واستقرارها المؤسساتي، ووضوح إطارها التنظيمي، وهي عوامل تساعد على استقطاب استثمارات طويلة الأمد في قطاعي الغاز والهيدروكاربورات.

وأوضحت بنخضرة، في تصريحات نقلتها منصة متخصصة في شؤون الطاقة، أن المغرب يعمل على ترسيخ موقعه كحلقة وصل استراتيجية بين القارة الإفريقية والأسواق الأوروبية، من خلال تطوير مشاريع كبرى للبنية التحتية وتعزيز التعاون مع الفاعلين الدوليين في قطاع الطاقة.

وأشارت المسؤولة إلى أن المملكة تتوفر على تنوع مهم في الأنظمة البترولية، مع وجود مؤشرات على موارد من الغاز والنفط في عدد من المناطق البرية والبحرية.

فعلى مستوى اليابسة، يبرز حوض الغرب باعتباره أحد أقدم المناطق المنتجة للغاز في المغرب، بعدما حافظ على نشاطه لأكثر من ثلاثة عقود، إلى جانب حوض الصويرة الذي يوفر الغاز لفائدة منشآت صناعية تابعة لمجموعة المكتب الشريف للفوسفاط.

كما يشكل حوض تندرارة أحد أبرز المشاريع المنتظرة، حيث يرتقب أن يدخل مرحلة الإنتاج قبل نهاية سنة 2026، في وقت أظهرت مناطق أخرى، من بينها الزاك وبوذنيب وميسور ودكالة وتادلة، مؤشرات مشجعة بشأن وجود موارد غازية محتملة.

أما في المجال البحري، فتعتبر بنخضرة أن الساحل الأطلسي المغربي يختزن إمكانات مهمة، خصوصاً بعد اكتشاف حقل أنشوا الذي عزز التوقعات بشأن توفر احتياطات غازية واعدة.

كما كشفت عمليات التنقيب في منطقة بوجدور البحرية عن وجود تجمعات للغاز والمكثفات في طبقات جيولوجية قديمة، إضافة إلى مؤشرات مرتبطة بالنفط والغاز في المنطقة البحرية الممتدة بين أكادير وطرفاية.

وفي سياق تطوير القطاع، أوضحت المديرة العامة للمكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن أن تحويل المؤسسة إلى شركة مساهمة في يونيو 2026 يمثل جزءاً من إصلاح شامل للمؤسسات العمومية، يهدف إلى تحديث آليات الحكامة وتعزيز المرونة المالية والتشغيلية.

وأكدت أن هذا التحول سيمكن المكتب من تعبئة موارد استثمارية جديدة، وتحسين قدرته على تنفيذ المشاريع، وتعزيز التعاون مع الشركات الدولية العاملة في مجال الاستكشاف والطاقة.

كما سيساهم الإصلاح في تقوية دور المكتب في تقليص مخاطر التنقيب عبر تطوير قواعد بيانات جيولوجية وجيوفيزيائية دقيقة، وتوفير معلومات تقنية تساعد المستثمرين على تقييم فرص الاستثمار واتخاذ قراراتهم.

ورغم الطفرة التي يعرفها المغرب في مجال الطاقات الشمسية والريحية، شددت بنخضرة على أن الغاز الطبيعي والطاقة المتجددة يمثلان مسارين متكاملين داخل استراتيجية الانتقال الطاقي للمملكة.

وأوضحت أن الغاز يوفر مرونة ضرورية لضمان استقرار الشبكة الكهربائية، خصوصاً خلال الفترات التي تتراجع فيها مساهمة مصادر الطاقة المتجددة المرتبطة بالظروف المناخية.

وترتكز رؤية المغرب في هذا المجال على ثلاثة محاور رئيسية، تتمثل في تطوير منشآت استقبال الغاز الطبيعي المسال، وإنجاز مشروع أنبوب الغاز الأطلسي الإفريقي، إضافة إلى رفع الإنتاج المحلي من حقول الغرب والصويرة وتندرارة.

ويعد مشروع أنبوب الغاز الأطلسي الإفريقي أحد أبرز المشاريع الاستراتيجية التي تراهن عليها المملكة، بالنظر إلى دوره المتوقع في تعزيز الربط الطاقي بين غرب إفريقيا وأوروبا ودعم التنمية الصناعية في الدول التي سيعبرها.

وقالت بنخضرة إن المشروع لن يقتصر دوره على نقل الغاز، بل سيساهم في دعم قطاعات اقتصادية حيوية، من بينها إنتاج الكهرباء، وصناعة الأسمدة، والبتروكيماويات، والإسمنت، والتعدين، إضافة إلى تنمية المناطق الصناعية المحاذية لمساره.

وأضافت أن الدراسات التقنية والهندسية الأولية للمشروع اكتملت، فيما بلغت الدراسات البيئية والاجتماعية مراحل متقدمة، بعد المصادقة على الاتفاقية الحكومية الخاصة به من طرف المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس)، مع مواصلة استكمال باقي الإجراءات المؤسساتية قبل نهاية سنة 2026.

وأكدت أن المشروع يمثل نموذجاً للتعاون الإفريقي القائم على تطوير مشاريع بنية تحتية كبرى تخدم المصالح المشتركة وتعزز التكامل الاقتصادي بين دول القارة.

ولا يقتصر الرهان المغربي على قطاع الغاز فقط، إذ يواصل المغرب تعزيز حضوره في مجال المعادن الاستراتيجية، حيث يحتل موقعاً بارزاً في إنتاج الفوسفات والكوبالت والمنغنيز، مع توسع تدريجي في قطاع النحاس واستكشاف إمكانات العناصر الأرضية النادرة.

وأكدت بنخضرة أن الهدف لا يتمثل فقط في استخراج الموارد الطبيعية وتصديرها، بل في بناء سلاسل قيمة صناعية متكاملة تشمل المعالجة، وإنتاج المدخلات الوسيطة، وتصنيع منتجات ذات قيمة مضافة مرتفعة.

ومن خلال هذه الاستراتيجية، يسعى المغرب إلى ترسيخ موقعه ضمن سلاسل الإمداد العالمية للطاقة والمعادن الحيوية، مستفيداً من موقعه الجغرافي الاستراتيجي بين إفريقيا وأوروبا، ومن بيئة استثمارية تسعى إلى جذب مشاريع طويلة الأمد في القطاعات ذات الأهمية المستقبلية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى