الحروب والجفاف يقفزان بتكاليف الشحن إلى مستويات قياسية وتهددان سلاسل الإمداد

تواجه التجارة العالمية ضغوطًا متزايدة مع ارتفاع تكاليف النقل البحري والبري عبر عدد من أهم الممرات التجارية، بعدما تضافرت التوترات الجيوسياسية مع تداعيات الجفاف وتغير المناخ لدفع أسعار الشحن إلى مستويات قياسية.
وتشير هذه التطورات إلى عودة المخاوف بشأن هشاشة سلاسل الإمداد العالمية، إذ إن ارتفاع تكلفة نقل النفط والسلع والمواد الخام قد ينتقل تدريجيًا إلى أسعار المنتجات النهائية، ما يزيد الضغوط على المستهلكين ويعيد تكاليف الخدمات اللوجستية إلى واجهة الاهتمام الاقتصادي.
وبحسب بيانات وكالة التسعير «أرجوس»، شهدت ممرات رئيسية، من بينها قناة بنما ونهر الراين والبحر الأحمر والبحر الأسود، ارتفاعات حادة في تكاليف الشحن خلال الفترة الأخيرة، نتيجة اضطرابات الملاحة الناجمة عن الصراعات ونقص المياه في بعض المناطق.
وفي منطقة الخليج، أدت تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران إلى تراجع حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات العالمية لنقل الطاقة، ما انعكس بصورة مباشرة على تكلفة شحن النفط المتجه من الخليج العربي إلى الأسواق الآسيوية.
وبلغت تكلفة نقل النفط عبر هذا المسار نحو 15.22 دولار للبرميل في 10 أغسطس، وهو أعلى مستوى منذ بدء «أرجوس» جمع هذه البيانات، في مؤشر على حجم الضغوط التي تواجهها تجارة الطاقة في المنطقة.
ولم تقتصر الاضطرابات على الخليج، إذ شهد البحر الأسود أيضًا ارتفاعًا كبيرًا في تكاليف النقل، حيث وصلت أسعار شحن البضائع المتجهة إلى البحر المتوسط هذا الأسبوع إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2005 على الأقل.
وفي قناة بنما، انعكست الضغوط على حركة السفن وأسعار العبور، إذ سجلت تكاليف المرور عبر مجموعتي الأهوسة المخصصتين لاستيعاب سفن بأحجام مختلفة مستويات قياسية في بداية أغسطس، بلغت نحو 1.1 مليون دولار و2.5 مليون دولار على التوالي.
أما أوروبا، فتواجه تحديًا مختلفًا يتمثل في تراجع منسوب المياه في نهر الراين نتيجة موجات الجفاف، ما أثر في قدرة هذا الممر الحيوي على نقل الشحنات، خصوصًا أنه يمثل شريانًا رئيسيًا للصناعات الثقيلة والقطاع اللوجستي في ألمانيا.
وأدى انخفاض مستويات المياه إلى صعود تكاليف نقل البضائع عبر النهر إلى مدن صناعية وتجارية رئيسية، من بينها كولونيا ودويزبورج وفرانكفورت وكارلسروه، إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2012.
وتكشف هذه التطورات أن المخاطر التي تواجه التجارة العالمية لم تعد مرتبطة فقط باضطرابات الحروب أو القيود التجارية، بل باتت تشمل أيضًا العوامل المناخية التي يمكن أن تعرقل حركة النقل عبر الممرات المائية الحيوية.
ومع استمرار التوترات الجيوسياسية وتكرار موجات الجفاف، تواجه الشركات والمستوردون احتمال ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، بينما قد تجد الأسواق نفسها أمام موجة جديدة من الضغوط على أسعار السلع إذا استمرت الاختناقات في ممرات التجارة الرئيسية.
ويثير ذلك مخاوف أوسع بشأن قدرة سلاسل الإمداد العالمية على تحمل صدمات متزامنة، خصوصًا أن أي تعطّل طويل في ممرات استراتيجية مثل هرمز أو بنما أو الراين قد يفرض على الشركات البحث عن مسارات بديلة أكثر تكلفة وأطول زمنًا.




