الاقتصادية

غضب المتداول… الفخ الذي أسقط الأباطرة قبل صغار المستثمرين

تخيل قائدًا عسكريًا يملك أقوى جيش عرفه عصره، يقتحم أرض خصمه بثقة تامة في النصر، ليكتشف بعد أشهر أن أعظم أعدائه لم يكن في ساحة المعركة، بل في قراره هو بالاستمرار رغم كل الإشارات التي كانت تصرخ بضرورة التراجع.

هذه ليست مقدمة لفيلم حربي، بل خلاصة ما جرى لنابليون بونابرت في حملته الروسية عام 1812، وهي القصة التي يجد فيها كثير من خبراء الأسواق المالية اليوم أقرب تشبيه لسلوك يدمر محافظ المستثمرين يوميًا.

المشهد ذاته يتكرر يوميًا في أسواق المال، وإن كانت الأسلحة فيه أموالًا لا جيوشًا. يُطلق على هذا السلوك اسم “التداول الانتقامي”، وهو استجابة نفسية بشرية معروفة عبر التاريخ، لكنها في عالم الأسهم قد تجرّ صاحبها إلى خسائر فادحة تمامًا كما استُدرج نابليون إلى الهزيمة.

التداول الانتقامي هو محاولة اندفاعية لتعويض خسارة مالية عبر الدخول الفوري في صفقات جديدة، غالبًا أكبر حجمًا وأشد خطورة من المعتاد، بعيدًا عن أي منهجية أو قواعد لإدارة المخاطر.

ولاعبو البوكر يعرفون هذه الحالة جيدًا تحت مسمى “فقدان الاتزان”، حين تدفع سلسلة من الخسائر أو حتى الأرباح الكبيرة اللاعب إلى قرارات متهورة مصدرها الغضب أو الثقة الزائدة.

يفسر علم الأعصاب هذا السلوك بأن الدماغ يتعامل مع الخسارة المالية بطريقة تشبه تعامله مع الألم الجسدي، فيستدعي استجابة “الكر أو الفر”، ليختار كثيرون “الكر” في محاولة لاستعادة الثقة والمال معًا.

ما الذي يقوله علم النفس؟

عدة عوامل نفسية تغذي هذا الاندفاع نحو الانتقام:

  • مغالطة التكلفة الغارقة: إذ يستمر المتداولون في ضخ الأموال في أصول خاسرة لأن عقولهم ترفض تقبّل ما فات من خسائر.
  • الثقة المفرطة: التي توهم صاحبها بقدرته على التغلب على عشوائية السوق بمجرد ضخ رأس مال إضافي.
  • نظرية الاحتمالات السلوكية: التي تفسر لماذا يتجنب المتداولون المخاطرة أمام مكسب محتمل، بينما يقبلون عليها بشراهة أمام خسارة محتملة.
  • استجابة التوتر الحاد: حيث يرتفع الكورتيزول والأدرينالين، فتضعف قدرة قشرة الفص الجبهي على التخطيط المنطقي، وتتولى اللوزة الدماغية زمام القرار الاندفاعي.
  • اختلال الدوبامين: إذ ينخفض مستواه أثناء الخسارة، فيتوق الدماغ إلى ارتفاعه مجددًا عبر أي “ربح” سريع، بصرف النظر عن سلامة القرار.

وتشير بيانات ميدانية إلى أن نحو 80% من المتداولين الأفراد يخسرون أموالهم بسبب الإفراط في التداول العاطفي، فيما تقلص عادة التداول المفرط العوائد السنوية بنسبة قد تصل إلى 6.5%.

أظهرت دراسة مشتركة بين معهد المحللين الماليين المعتمدين وهيئة تنظيم القطاع المالي الأمريكية أن قرابة نصف متداولي جيل زد مستعدون لتحمل مخاطر مرتفعة، وغالبًا ما تكون قراراتهم مدفوعة بالعاطفة لا بالتحليل.

من أبرز الإشارات التحذيرية:

  1. التلاعب بأوامر وقف الخسارة، سواء بإلغائها أو توسيع نطاقها أملًا في انتعاش مؤقت للسوق.
  2. العودة الفورية إلى الصفقة نفسها بعد خسارتها دون أي تحليل جديد يبرر ذلك.
  3. مضاعفة حجم الصفقة التالية في محاولة يائسة لتعويض الخسارة دفعة واحدة.
  4. ملاحقة السوق، بالشراء بقوة عند الارتفاع أو البيع على المكشوف عند الانخفاض الحاد، بدافع الخوف من فوات الفرصة.
  5. التخلي الكامل عن خطة التداول، والدخول في أصول أو أطر زمنية لا يتعامل بها المتداول عادة.

وقد تصاحب هذه الحالة أعراض جسدية واضحة، كتسارع ضربات القلب وضيق التنفس وتراجع مجال الرؤية الذهنية، نتيجة نشاط اللوزة الدماغية. وفي هذا السياق يصف بريت ستينبارجر، المتخصص في علم نفس التداول، هذا السلوك بأنه “ليس استراتيجية بل فعل يحركه الغضب، غضب من الخسارة ورغبة عارمة في تعويضها بسرعة”.

قد يظن البعض أن التداول الانتقامي مقتصر على صغار المستثمرين اليائسين، لكن التاريخ المالي يثبت العكس تمامًا.

ففي عام 1998، انهارت شركة “LTCM”، رغم ضمها لخبراء حائزين على جائزة نوبل، بعدما استخدمت رافعة مالية بلغت نسبتها 25 إلى 1 في عمليات مراجحة معقدة.

وحين تسبب تعثر روسيا في سداد ديونها بتوسّع فروق الأسعار بشكل غير متوقع، بدلًا من الحد من الخسائر، وسّعت الشركة تعرضها للمخاطر أكثر، ما أدى إلى أزمة مالية اضطر الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي للتدخل لاحتوائها.

وتكرر السيناريو بشكل أوضح عام 2021 مع صندوق “أركيغوس”، الذي بنى مراكز استثمارية ضخمة عبر مقايضات العائد الإجمالي، وهي أدوات تتيح الاستفادة من عائد أصل مالي دون امتلاكه فعليًا، مقابل دفع تكلفة تمويل للبنك الوسيط. وحين تراجعت أسعار بعض الأسهم وواجه الصندوق طلبات تغطية هامش، بدلًا من تصفية مراكزه، حاول الشراء لدعم الأسعار ومقاومة الاتجاه.

وانتهى الأمر بتصفية إجبارية بددت نحو 10 مليارات دولار من الأصول، وأسهمت في زعزعة الأسواق، بل كانت من العوامل التي عجّلت بانهيار بنك “كريدي سويس”.

Depressed Stock Exchange Trader Stressed Angry Stock Footage Video (100%  Royalty-free) 1111884431 | Shutterstock

يشبه سلوك التداول الانتقامي، رغم عشوائيته، ما يُعرف بـ”استراتيجية مارتينجال”، التي يُعتقد أنها نشأت في فرنسا خلال القرن الثامن عشر، وتقوم على مضاعفة الرهان بعد كل خسارة، وهو ما يفاقم المخاطرة بدلًا من تقليلها.

وحين تراودك رغبة التعويض السريع، تستحق كلمات مارك دوغلاس، مؤلف كتاب “Trading in the Zone” أن تُستحضر: فالشعور بضرورة تعويض الخسائر يضع المتداول في مواجهة وهمية مع السوق، بينما السوق في الحقيقة لا يعرف له خصمًا ولا يخوض معه أي معركة.

فحين يستفزك السوق في المرة القادمة، وتستحضر ذاكرتك أمجاد نابليون العسكرية، تذكّر أن تلك العبقرية الاستراتيجية مكانها رقعة الشطرنج، لا قاعات التداول التي لا ترحم حتى الأباطرة.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى