الاقتصاديةالتكنولوجيا

سبيس إكس تراهن على ستارشيب لتحويل الفضاء إلى مركز جديد للذكاء الاصطناعي

قد لا تكون المعركة المقبلة في قطاع التكنولوجيا على الأرض، بل فوقها بمئات الكيلومترات. فمع تصاعد الطلب على الذكاء الاصطناعي وتزايد الحاجة إلى مراكز بيانات تستهلك كميات ضخمة من الطاقة، بدأت شركات التكنولوجيا والفضاء تبحث عن بديل يتجاوز حدود البنية التحتية التقليدية.

وفي الوقت الذي تتسابق فيه الشركات لبناء مراكز بيانات أكبر وأسرع على الأرض، تبرز فكرة نقل جزء من عمليات الحوسبة إلى المدار كأحد أكثر المشاريع طموحاً، مستفيدة من الطاقة الشمسية والمساحات المتاحة في الفضاء، ومن التطور المتسارع في تقنيات الإطلاق وإعادة الاستخدام.

وتضع شركة “سبيس إكس” نفسها في مقدمة هذا السباق، إذ تراهن على صاروخ “ستارشيب” لخفض تكلفة نقل المعدات إلى المدار، تمهيداً لبناء بنية تحتية فضائية قد لا تقتصر مستقبلاً على الأقمار الصناعية والاتصالات، بل تمتد إلى تشغيل قدرات حوسبة مخصصة للذكاء الاصطناعي.

لسنوات، شكل صاروخ “فالكون 9” العمود الفقري لعمليات “سبيس إكس”، خصوصاً في توسيع شبكة “ستارلينك” عبر إطلاق دفعات متتالية من الأقمار الصناعية.

لكن “ستارشيب” يمثل نقلة مختلفة من حيث الحجم والقدرة على حمل الحمولات، إذ يمكنه، وفق التقديرات الحالية، نقل ما يصل إلى 150 طناً إلى المدار، مقابل نحو 22.5 طن لصاروخ “فالكون 9”.

وخلال الرحلة المدارية الرابعة عشرة، تمكن “ستارشيب” من الوصول إلى المدار ونشر 26 قمراً من الجيل الثالث لشبكة “ستارلينك”، في خطوة تعزز الرهان على إمكانية استخدام الصاروخ في مهام تجارية واسعة النطاق.

وتزداد أهمية هذه القدرة كلما انخفضت تكلفة نقل كل كيلوغرام إلى المدار، إذ تشير التقديرات إلى إمكانية تراجع تكلفة نقل الكيلوغرام للعملاء الخارجيين من حوالي 3500 دولار باستخدام “فالكون 9” إلى نحو 667 دولاراً مع “ستارشيب” بحلول 2027، ثم إلى حوالي 420 دولاراً بحلول 2040.

وبالنسبة إلى المهام الخاصة بـ”سبيس إكس”، قد تنخفض التكلفة من نحو 756 دولاراً للكيلوغرام إلى 407 دولارات في 2027، ثم إلى حوالي 173 دولاراً بحلول 2040.

وهذا الانخفاض المحتمل قد يغير المعادلة الاقتصادية لصناعة الفضاء، لأنه يجعل نقل كميات ضخمة من المعدات إلى المدار أقل كلفة، ويفتح الباب أمام مشاريع كانت تبدو في السابق بعيدة عن الجدوى التجارية.

ورغم النجاح الذي حققته الرحلة الأخيرة، فإن “ستارشيب” لا يزال في مرحلة التطوير، ولا تزال الشركة مطالبة بإثبات قدرته على تنفيذ مهام مدارية طويلة بصورة مستقرة وموثوقة.

وخلال الرحلة الأخيرة، توقف أحد محركات المركبة، ما دفع “سبيس إكس” إلى تقليص مدة المهمة من حوالي عشر ساعات إلى نحو ثلاث ساعات.

ويكشف ذلك أن الانتقال من الاختبارات إلى التشغيل التجاري المنتظم يتطلب معالجة عدد من التحديات التقنية، خصوصاً أن المهام المستقبلية ستكون أكثر تعقيداً وستتطلب نقل حمولات أكبر وتنفيذ عمليات مدارية أطول.

ومع ذلك، فإن نجاح المركبة في الوصول إلى المدار ونشر حمولة تشغيلية يمثل مرحلة أساسية في مسار تطويرها، خصوصاً أن مستقبل المشروع يعتمد بدرجة كبيرة على القدرة على تنفيذ عمليات إطلاق متكررة وبتكلفة منخفضة.

الطموح الحقيقي لـ”سبيس إكس” يتجاوز إطلاق أقمار “ستارلينك”، إذ تعمل الشركة على تطوير قمر صناعي مخصص للحوسبة يحمل اسم “AI1”.

ويختلف هذا النموذج عن أقمار الاتصالات التقليدية، حيث يركز بصورة أكبر على قدرات الحوسبة والطاقة والتبريد، بما يسمح بتحويل القمر الصناعي إلى منصة لمعالجة البيانات بدلاً من اقتصار دوره على الاتصالات.

وتخطط الشركة لبدء اختبار قدرات الحوسبة الفضائية بحلول نهاية 2027، قبل توسيع هذه البنية التحتية اعتباراً من 2028.

ويأتي ذلك في وقت تبحث فيه صناعة التكنولوجيا عن حلول جديدة لمشكلة التوسع الهائل في احتياجات الذكاء الاصطناعي، التي تتطلب مراكز بيانات ضخمة واستهلاكاً متزايداً للكهرباء وأنظمة تبريد متطورة.

🚀 space travel meets AI: This is how SpaceX '2 billion bet in Xai changes  the future 🤖💰

وتراهن “سبيس إكس” على أن المدار قد يتحول إلى امتداد جديد لهذه البنية التحتية، خصوصاً مع إمكانية الاستفادة المباشرة من الطاقة الشمسية وتقليل بعض القيود المرتبطة بتوفير الأراضي وشبكات الكهرباء.

لكن حجم المشروع يكشف عن ضخامة الرهان، إذ تستهدف الشركة مستقبلاً الوصول إلى نحو 100 جيجاواط من قدرات الحوسبة التي يتم نشرها سنوياً في الفضاء، وهو ما سيتطلب آلاف عمليات الإطلاق ونقل قرابة مليون طن من الحمولة إلى المدار كل عام.

يشهد العالم في الوقت نفسه توسعاً غير مسبوق في الطلب على قدرات الحوسبة، مدفوعاً بالانتشار السريع لنماذج الذكاء الاصطناعي وتطبيقاتها.

وتستثمر شركات التكنولوجيا مليارات الدولارات في بناء مراكز بيانات جديدة، لكن هذا التوسع يصطدم تدريجياً بقيود مرتبطة بتوفير الكهرباء والأراضي وشبكات النقل وأنظمة التبريد.

وهنا تظهر الحوسبة الفضائية كخيار مستقبلي محتمل، إذ يمكن للأقمار الصناعية الاستفادة من الطاقة الشمسية بشكل مباشر، مع إمكانية تجاوز جزء من القيود التي تواجه مراكز البيانات على الأرض.

لكن النموذج لا يزال يواجه تحديات كبيرة، أبرزها تكلفة الإطلاق والتصنيع والصيانة، إلى جانب صعوبة نقل البيانات بسرعات عالية بين المدار والمستخدمين على الأرض.

ومع ذلك، تتوقع دراسة لـ”بوسطن كونسلتنج جروب” أن تستحوذ مراكز البيانات الفضائية على ما بين 10% و15% من سوق حوسبة الذكاء الاصطناعي العالمي بحلول 2040، بما يعادل إيرادات سنوية تتراوح بين 240 و320 مليار دولار.

إذا تحولت الحوسبة الفضائية إلى صناعة واسعة النطاق، فإن “سبيس إكس” ستكون في موقع قوي للاستفادة من هذا التحول، نظراً إلى هيمنتها الحالية على سوق الإطلاق.

وخلال 2025، نفذت الشركة نحو 165 عملية إطلاق مدارية باستخدام “فالكون 9″، وهو ما يمثل أكثر من نصف عمليات الإطلاق المدارية عالمياً، كما نقلت أكثر من 80% من إجمالي الكتلة التي وصلت إلى المدار.

وهذا يعني أن انتشار مراكز البيانات الفضائية لن يخلق سوقاً جديدة للحوسبة فقط، بل سيولد أيضاً طلباً ضخماً على عمليات الإطلاق، وهو القطاع الذي تمتلك فيه “سبيس إكس” خبرة وبنية تشغيلية واسعة.

وتتجاوز التوقعات المرتبطة بـ”سبيس إكس” حدود صناعة الفضاء، إذ يرى محللو “سيتي” أن الجمع بين خدمات الإطلاق والاتصالات والذكاء الاصطناعي والحوسبة المدارية يمكن أن يمنح الشركة مصادر إيرادات ضخمة خلال السنوات المقبلة.

وتتوقع “سيتي” أن ترتفع إيرادات “سبيس إكس” إلى نحو 484 مليار دولار بحلول 2030، قبل أن تقترب من مستوى تريليون دولار في 2031.

وفي سيناريو متفائل، قدر محللو البنك إمكانية وصول سعر سهم الشركة إلى حوالي 900 دولار على المدى الطويل، بما قد يرفع قيمتها السوقية إلى نحو 12.2 تريليون دولار، مقارنة بنحو تريليوني دولار حالياً.

وتعكس هذه التقديرات حجم الرهان على قدرة “سبيس إكس” على تحويل موقعها القوي في سوق الإطلاق إلى منظومة أعمال أوسع تشمل الاتصالات والحوسبة والذكاء الاصطناعي.

التحول الجاري لا يتعلق بمجرد تطوير صاروخ أكبر أو إطلاق عدد أكبر من الأقمار الصناعية، بل بمحاولة بناء نموذج اقتصادي جديد تكون فيه مدارات الأرض جزءاً من البنية التحتية الرقمية العالمية.

وإذا تمكنت “سبيس إكس” من خفض تكاليف الإطلاق ورفع موثوقية “ستارشيب”، فقد يصبح نقل معدات الحوسبة إلى المدار أكثر قابلية للتطبيق، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع استمرار ارتفاع الطلب العالمي على قدرات الذكاء الاصطناعي.

لكن نجاح الفكرة سيعتمد في النهاية على عامل أكثر تعقيداً من حجم الصاروخ أو عدد عمليات الإطلاق، وهو إثبات أن تشغيل مراكز الحوسبة في الفضاء يمكن أن يكون عملياً واقتصادياً وقابلاً للتوسع.

وبذلك، قد ينتقل السباق الفضائي خلال العقود المقبلة من سؤال من يستطيع الوصول إلى القمر أو المريخ إلى سؤال أكثر ارتباطاً بالاقتصاد والتكنولوجيا: من يستطيع تحويل الفضاء إلى مركز جديد للحوسبة والبنية التحتية الرقمية العالمية؟

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى