الاقتصادية

تدفق النفط يعود عبر هرمز.. لكن سوق الطاقة لم تستعد توازنها بعد

بدأت سوق النفط تستعيد جزءاً من حركتها المعتادة مع عودة الناقلات تدريجياً إلى عبور مضيق هرمز واستئناف تدفق كميات كبيرة من الخام إلى الأسواق العالمية، لكن تحسن الإمدادات لا يعني بالضرورة انتهاء تداعيات الأزمة أو عودة الأسعار سريعاً إلى مستويات ما قبل الحرب.

فالسوق لا تقيس الوضع الحالي بحجم البراميل التي تصل إلى المستهلكين فقط، وإنما تنظر أيضاً إلى حجم المخزونات التي استُنزفت، والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، وارتفاع تكاليف النقل، فضلاً عن استمرار المخاطر الجيوسياسية التي تحيط بأحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة في العالم.

قبل الأزمة، كانت توقعات سوق النفط تميل إلى سيناريو وفرة المعروض خلال السنوات المقبلة. ففي عام 2023، توقعت وكالة الطاقة الدولية أن يتجاوز نمو الإنتاج العالمي مستويات الطلب بحلول 2028، وهو ما ساهم في إبقاء الأسعار تحت ضغوط تحد من الحوافز الاستثمارية في بعض مشروعات النفط والتكرير.

غير أن تلك التقديرات لم تأخذ في الحسبان احتمال تعرض مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من إمدادات الطاقة العالمية، لاضطراب واسع النطاق.

ومع اندلاع الصراع في الشرق الأوسط أواخر فبراير، تعطلت كميات كبيرة من الإمدادات، لتواجه السوق أزمة لم يكن من الممكن احتواؤها سريعاً عبر زيادة الإنتاج من مصادر بديلة.

ومع تحسن حركة الشحن، تشير تقديرات المؤسسات المالية إلى عودة جزء كبير من الصادرات. فقد قدر جولدمان ساكس صادرات النفط الخليجية بنحو 23.3 مليون برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي، وهو مستوى قريب من متوسط عام 2025.

أما جيه بي مورجان، فقد قدر متوسط صادرات المنطقة خلال عشرة أيام بنحو 20.5 مليون برميل يومياً، بما يعادل حوالي 89% من مستويات العام الماضي.

لكن تقديرات حركة الناقلات تختلف بحسب مصادر البيانات وطريقة احتساب التدفقات. ووفق شركة كبلر، بلغ متوسط تدفقات الخام غير الإيراني خلال الأسبوع المنتهي في 27 سبتمبر نحو 12.5 مليون برميل يومياً، في حين قدرت منصة ويندوارد التدفقات بنحو 10 ملايين برميل يومياً.

ورغم التحسن الملحوظ في حركة الإمدادات، يرى محللون أن سوق النفط لم تخرج بالكامل من دائرة المخاطر.

وينقل التقرير عن بوب ماكنالي، مؤسس شركة «رابيدان إنيرجي جروب»، أن استعادة حركة شحن الخام تمثل تطوراً إيجابياً، لكنها لا تعني انتهاء أزمة الإمدادات، خصوصاً بعدما راكمت السوق عجزاً كبيراً خلال فترة الاضطرابات.

وتشير التقديرات الواردة في التقرير إلى أن المخزونات العالمية المرصودة انخفضت بنحو 507 ملايين برميل منذ بداية الصراع، بمعدل سحب يومي يقارب 2.8 مليون برميل.

كما تعرضت منشآت تكرير في المنطقة لأضرار، بينما ارتفعت تكلفة شحن النفط والمنتجات البترولية، في وقت ظلت فيه إمدادات بعض المشتقات محدودة.

وبالتالي، فإن عودة الناقلات إلى العمل بمعدلات مرتفعة لا تعني تلقائياً استعادة التوازن السابق؛ إذ تحتاج الأسواق أولاً إلى تعويض جزء من المخزونات المستنزفة وإعادة تشغيل أو إصلاح المنشآت المتضررة.

تلعب الصين دوراً محورياً في تحديد اتجاه السوق خلال المرحلة المقبلة، بعدما ساهمت تحركاتها خلال الأزمة في الحد من الضغوط على الأسعار.

وأظهرت البيانات أن بكين خفضت وارداتها من الخام بنحو 50% بين فبراير ويونيو 2026، بينما ارتفعت وارداتها بنسبة 6.2% في أغسطس مقارنة بيوليو، في مؤشر على تغير مسار الطلب.

وتشير التقديرات إلى أن المخزونات التجارية والاستراتيجية الصينية تكفي لنحو أربعة إلى ستة أشهر. وفي حال اتجهت الصين إلى إعادة بناء احتياطياتها، فقد يظهر طلب إضافي على النفط في وقت لم تستعد فيه الإمدادات العالمية كامل طاقتها السابقة.

وهذا السيناريو قد يحد من تأثير عودة التدفقات على الأسعار، إذ يمكن أن يقابل ارتفاع المعروض بزيادة موازية في الطلب.

ورغم تحسن حركة الشحن، لا يزال خام برنت يتداول فوق مستوى 100 دولار للبرميل، بزيادة تقارب 40% مقارنة بمستوياته عند بداية الحرب، مع اتجاهه لتحقيق مكاسب شهرية تقدر بنحو 14%.

وتستمر حالة عدم اليقين في ظل تعثر المحادثات الأمريكية الإيرانية الرامية إلى إنهاء الصراع، إلى جانب استمرار الضغوط على أسواق الوقود.

كما أن مستقبل مضيق هرمز لا يزال يمثل أحد أبرز مصادر القلق بالنسبة إلى المتعاملين في سوق الطاقة، حتى مع التصريحات الأمريكية بشأن السيطرة على الممر البحري.

وتشير تقديرات مصرفية إلى أن استقرار حركة الملاحة قد يحتاج إلى فترة أطول قبل أن تنعكس عودة الإمدادات بالكامل على الأسعار. وحتى في سيناريو تحسن حركة النقل وتجنب امتداد الصراع، يرى بنك أوف أمريكا أن استمرار الاضطرابات التي تعرقل تدفق النفط قد يدفع سعر برنت إلى نطاق يتراوح بين 95 و120 دولاراً للبرميل.

توقعات البنوك لأسعار برنت في 2027

البنكمتوسط السعر المتوقع لخام برنت
جولدمان ساكس80 دولاراً
بنك أوف أمريكا75 دولاراً
إتش إس بي سي85 دولاراً
ستاندرد تشارترد89.5 دولاراً

وتكشف هذه التقديرات عن فجوة كبيرة بين مستويات الأسعار الحالية والتوقعات السنوية بعيدة المدى، ما يعكس حجم عدم اليقين الذي يحيط بمسار السوق.

في المحصلة، تمثل عودة النفط إلى مسارات التصدير المعتادة عاملاً ضرورياً لتهدئة سوق الطاقة، لكنها لا تكفي وحدها لإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل الأزمة. فالمخزونات تحتاج إلى التعافي، والمنشآت المتضررة إلى الإصلاح، وتكاليف النقل إلى الانخفاض، بينما يبقى مضيق هرمز عرضة للتطورات الجيوسياسية.

وبذلك، أظهرت الأزمة أن استعادة تدفق البراميل لا تعني بالضرورة استعادة التوازن السابق؛ فالنفط الذي يعود إلى السوق اليوم يأتي في ظل مخزونات أقل، وبنية تحتية متضررة، وتكاليف نقل أعلى، ومخاطر جيوسياسية لا تزال حاضرة.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى