المراهقون المغاربة أمام تصاعد الاستخدام الرقمي واضطراب النوم

لم يعد الهاتف الذكي مجرد وسيلة للتواصل أو الترفيه بالنسبة إلى شريحة واسعة من المراهقين، بل أصبح جزءاً أساسياً من تفاصيل يومهم، مع بروز فترات زمنية يتحول فيها الاستخدام الرقمي إلى نشاط مكثف قد يمتد على حساب النوم والأنشطة اليومية الأخرى.
هذا ما تكشفه نتائج دراستين علميتين أنجزهما باحثون مغاربة وأجانب على تلاميذ بالدار البيضاء، وسلطتا الضوء على العلاقة بين أنماط استخدام الشاشات والاستخدام القهري للإنترنت واضطرابات النوم.
وشملت الدراستان 334 تلميذاً تتراوح أعمارهم بين 14 و18 سنة، بمشاركة باحثين من جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، إلى جانب باحثين من جامعتي باريس نانتير وروان نورماندي بفرنسا. ونشرت الدراسة الأولى في دورية Addictive Behaviors Reports، فيما صدرت الثانية ضمن دورية Computers in Human Behavior Reports.
وركز البحث الأول على الطريقة التي يتغير بها استعمال الشاشات من يوم إلى آخر، مع ربط هذه الأنماط بمؤشرات الاستخدام القهري للإنترنت.
وأظهرت النتائج أن التلاميذ لا يتبعون نمطاً رقمياً موحداً، بل يمكن التمييز بين فئة تحافظ على استعمال منخفض ومستقر نسبياً، وأخرى يرتفع استخدامُها بشكل ملحوظ خلال عطلة نهاية الأسبوع.
وللوصول إلى صورة أكثر دقة، لم يعتمد الباحثون فقط على تقديرات التلاميذ لعدد الساعات التي يقضونها أمام الشاشات، بل استندوا إلى بيانات الاستخدام الفعلية المسجلة على الهواتف الذكية خلال الأيام السبعة السابقة.
وأظهرت المعطيات أن استعمال الشاشات يظل مستقراً نسبياً خلال بداية الأسبوع قبل أن يبدأ في الارتفاع مع اقتراب عطلة نهاية الأسبوع، ليبلغ ذروته يوم الأحد. وسجل هذا اليوم زيادة تقارب 74 دقيقة مقارنة بمتوسط أيام الأسبوع.
كما أظهرت الدراسة أن ارتفاع مدة استخدام الشاشة يتقاطع مع مؤشرات الاستخدام القهري للإنترنت، خصوصاً لدى الفئة التي يتصاعد استعمالها بشكل كبير خلال عطلة نهاية الأسبوع.
ولم يكن نمط الاستخدام متطابقاً بين الذكور والإناث، إذ برزت ألعاب الفيديو بشكل أكبر لدى الذكور، بينما مالت الإناث بدرجة أكبر إلى استخدام منصات التواصل الاجتماعي.
وأبرزت الدراسة كذلك أن طبيعة النشاط الذي يقوم به المراهق على الإنترنت تلعب دوراً في تحديد حجم الاستخدام. فالتلاميذ الذين جعلوا شبكات التواصل الاجتماعي نشاطهم الرئيسي على الإنترنت سجلوا فترات استخدام أطول مقارنة بمن كانت أنشطتهم الأساسية مرتبطة بالبحث عن المعلومات أو بالدراسة.
ويظهر هذا المعطى أن قياس العلاقة بين المراهق والشاشة لا يمكن اختزاله في احتساب عدد الساعات فقط، بل يتطلب أيضاً معرفة طبيعة المحتوى والأنشطة التي تستهلك الجزء الأكبر من ذلك الوقت.
وفي السياق ذاته، أظهرت النتائج أن ارتفاع درجات الاستخدام القهري للإنترنت يزيد من احتمال انتماء التلميذ إلى الفئة ذات الاستخدام المرتفع خلال عطلة نهاية الأسبوع.
غير أن الباحثين يميزون بين الاستخدام المكثف والاستخدام القهري، إذ لا يعني قضاء وقت طويل أمام الشاشة، في حد ذاته، وجود اضطراب. ويشمل الاستخدام القهري مؤشرات أخرى، من بينها صعوبة التحكم في مدة الاستخدام، والانشغال المستمر بالإنترنت، إلى جانب اللجوء إليه للهروب من مشاعر سلبية أو إهمال بعض الالتزامات اليومية.
أما الدراسة الثانية، فانتقلت إلى جانب آخر من السلوك الرقمي لدى المراهقين، من خلال بحث العلاقة بين اضطرابات النوم والاستخدام القهري للإنترنت.
وركز الباحثون على عدد من المؤشرات، شملت جودة النوم، وتقليص ساعات النوم بشكل متعمد من أجل البقاء متصلاً بالإنترنت، والنوم لأكثر من ست ساعات، إضافة إلى القيلولة خلال النهار.
وأظهرت النتائج وجود ارتباط بين سوء جودة النوم وارتفاع مستويات الاستخدام القهري للإنترنت. كما سجل المراهقون الذين أفادوا بأنهم يقلصون مدة نومهم عمداً من أجل استخدام الإنترنت درجات أعلى على مقياس الاستخدام القهري.
في المقابل، لم تكشف القيلولة النهارية عن ارتباط موثوق بالمستويات المرتفعة من الاستخدام القهري، في حين ظهر النوم لأكثر من ست ساعات مرتبطاً باتجاه وقائي محدود، مع الإشارة إلى أن قوة الدليل الإحصائي لهذا العامل كانت أضعف مقارنة بالمؤشرات المرتبطة باضطرابات النوم وتقليص النوم لصالح استخدام الإنترنت.
وتبرز إحدى أهم خلاصات الدراسة الثانية في كون اضطرابات النوم بدت أكثر ارتباطاً بالاستخدام القهري للإنترنت من مجرد إجمالي الوقت الذي يقضيه المراهق أمام الشاشة.
واستمرت هذه العلاقة بعد أخذ متغيرات أخرى بعين الاعتبار، من بينها العمر والجنس وأنماط استخدام الوسائط الرقمية، ما يدفع إلى توسيع زاوية النظر إلى المشكلة من التركيز على مدة استخدام الهاتف فقط إلى دراسة توقيت الاستخدام وتأثيره في الحياة اليومية.
كما سجلت الدراسة درجات أعلى للاستخدام القهري لدى الإناث مقارنة بالذكور ضمن العينة التي شملها البحث، وهو ما ينسجم جزئياً مع نتائج الدراسة الأولى التي رصدت اختلافات واضحة بين الجنسين في طبيعة الأنشطة الرقمية المفضلة.
وتكتسب نتائج الدراستين أهمية خاصة لكونهما اعتمدتا على عينة من المراهقين المغاربة، بما يوفر معطيات مرتبطة بالسياق المحلي للسلوك الرقمي خلال مرحلة عمرية تشهد توسعاً متزايداً في استخدام الهواتف والمنصات الرقمية.
وتشير النتائج إلى أن التعامل مع الاستخدام الإشكالي للإنترنت لا ينبغي أن يقتصر على مراقبة مجموع ساعات الشاشة، بل يتطلب أيضاً الانتباه إلى الفترات التي يرتفع فيها الاستخدام، والأنشطة التي تستحوذ على الوقت الأكبر، ومدى تأثير الاتصال المستمر بالإنترنت على النوم والروتين اليومي.
وتبرز عطلة نهاية الأسبوع، خصوصاً يوم الأحد، باعتبارها فترة يرتفع فيها الاستخدام بشكل واضح لدى فئة من التلاميذ، بينما يظهر اضطراب النوم وتقليص ساعات النوم من أجل البقاء على الإنترنت كمؤشرين يرتبطان بمستويات أعلى من الاستخدام القهري.
وبذلك تقدم الدراستان قراءة أكثر تركيباً للعلاقة بين المراهق والتكنولوجيا؛ فالمؤشر لا يكمن فقط في عدد الساعات التي يقضيها أمام الشاشة، وإنما أيضاً في توقيت الاستخدام، وطبيعته، ومدى قدرته على التأثير في النوم والحياة اليومية.




