اقتصاد المغربالأخبارالشركات

بعد 10 سنوات على رحيله.. خلافات ورثة ميلود الشعبي تهز عرش ينا القابضة

من قصة نجاح بدأت بموظفين اثنين فقط إلى مجموعة اقتصادية تضم آلاف العاملين وتمتد أنشطتها إلى قطاعات متعددة، ترك ميلود الشعبي وراءه إمبراطورية أعمال كبيرة، لكن رحيله في 2016 فتح الباب أمام واحدة من أكثر قضايا الخلافة تعقيداً داخل الشركات العائلية المغربية.

وبعد مرور نحو عشر سنوات على وفاة مؤسس «ينا القابضة»، لم تتمكن العائلة من حسم الخلافات المرتبطة بإدارة المجموعة بشكل نهائي، في وقت واصلت فيه الشركات التابعة أنشطتها بالاعتماد على مسؤولين ومديرين مستقلين، ما ساعد على ضمان استمرارية الأعمال بعيداً عن التوترات داخل الأسرة.

وتبرز تجربة عائلة الشعبي، وفق تقرير لمجلة «تيلكيل»، باعتبارها مثالاً على الصعوبات التي يمكن أن تواجهها المجموعات العائلية الكبرى عندما لا يتم وضع آلية واضحة ومتوافق عليها لانتقال القيادة من المؤسس إلى الأجيال التالية.

كان رحيل ميلود الشعبي في 16 أبريل 2016، عن عمر ناهز 86 عاماً، بداية مرحلة جديدة بالنسبة إلى «ينا القابضة». وبعد وفاته، تولت أرملته ماما تاج مواتي رئاسة مجلس إدارة المجموعة، قبل أن تنتقل القيادة في يناير 2019 إلى نجله فيصل، الذي أصبح رئيساً لمجلس الإدارة والرئيس التنفيذي.

لكن هذا الترتيب لم يستمر، إذ عادت ماما تاج مواتي لتتولى من جديد رئاسة مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية، في انعكاس للتغييرات التي عرفتها قيادة المجموعة خلال السنوات الماضية.

وكان مؤسس «ينا القابضة» قد حاول خلال حياته الاستعداد لمرحلة ما بعده، من خلال توزيع عدد من المسؤوليات بين أبنائه، ومن بينهم ابنته أسماء. غير أن هذه الترتيبات لم تمنع بروز خلافات بين الورثة بعد رحيله، لتظل مسألة انتقال القيادة محل تجاذب داخل العائلة.

يرتبط اسم ميلود الشعبي بإحدى أبرز قصص الصعود في عالم الأعمال المغربي. فقد وُلد عام 1930 في قرية بالقرب من الصويرة، وعاش طفولته في ظروف متواضعة، حيث اشتغل في رعي الماعز وتعلم القراءة في المسجد.

وفي سن الثامنة عشرة، بدأ أولى خطواته في عالم الأعمال، عندما أسس سنة 1948 شركة صغيرة لم يكن يعمل فيها سوى موظفين اثنين. واختار لها اسم «ينا»، وهي كلمة أمازيغية تعني «الأم»، في إشارة إلى والدته.

ومن تلك البداية المحدودة، توسعت أعمال الشعبي على مدى عقود لتتحول إلى مجموعة اقتصادية كبرى. وعند وفاته، كانت «ينا القابضة» تشغل نحو 20 ألف شخص، فيما توزعت أنشطتها على مجموعة واسعة من القطاعات، من الإسكان إلى تجارة التجزئة والفنادق والصناعات البتروكيماوية.

وتضم المجموعة علامات وشركات معروفة، من بينها سلسلة «أسواق السلام»، وفنادق «رياض موغادور»، وشركة «SNEP» المتخصصة في الصناعات البتروكيماوية.

ورغم استمرار الخلافات بين أفراد العائلة، حافظت الشركات التابعة للمجموعة على نشاطها، مستفيدة من وجود إدارة مهنية ومستقلة عن الورثة في عدد من فروعها.

وتشير المعطيات التي أوردتها «تيلكيل» إلى أن المجموعة استعانت بمديرين تنفيذيين من خارج الدائرة العائلية، بينهم متخصصون تم استقطابهم من خارج المغرب، فيما تتولى نساء كذلك مسؤولية إدارة عدد من الأنشطة الرئيسية.

ويرى زكريا فهيم، المستشار المتخصص في قضايا خلافة الشركات العائلية في إفريقيا، أن توسع العائلة وظهور جيل جديد من الأحفاد جعلا الاعتماد على إدارة مستقلة أمراً أكثر أهمية.

وأوضح أن الفصل بين الإدارة اليومية للشركات والخلافات العائلية يسمح باستمرار العمليات التجارية، حتى في الحالات التي لا تتمكن فيها الأسرة من التوصل إلى اتفاق بشأن بعض القضايا الاستراتيجية.

وبذلك، شكلت الإدارة المستقلة نوعاً من الحاجز الذي حال دون انتقال الخلافات العائلية بشكل مباشر إلى العمليات اليومية للمجموعة. إلا أن هذا الحل لا يمثل، بحسب التقرير، عملية خلافة مؤسسية مكتملة، بقدر ما يشكل آلية لحماية الشركات من تداعيات النزاع بين أفراد الأسرة.

ولا تعكس قضية «ينا القابضة» حالة معزولة، بل تسلط الضوء على إشكالية أوسع تواجه الشركات العائلية في المغرب، التي تشكل جزءاً رئيسياً من الاقتصاد الوطني.

وأظهرت دراسة وطنية حول الشركات العائلية قدمها معهد الشركات العائلية المغربي في يونيو، بدعم من مؤسسة التمويل الدولية، أن هذه الشركات تمثل نحو 92.9% من قطاع الأعمال في المملكة، وتوفر حوالي 6.3 ملايين وظيفة، كما تساهم بأكثر من 60% من القيمة المضافة الوطنية.

غير أن الدراسة أظهرت في المقابل هشاشة استمرار العديد من هذه الشركات عبر الأجيال، إذ لا تتجاوز نسبة الشركات العائلية التي تتمكن من الوصول إلى الجيل الثالث 15%، فيما لا تصل سوى 5% منها إلى عمر 50 عاماً.

وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة في ظل الدور الاقتصادي الكبير الذي تلعبه الشركات العائلية، إذ إن فشل عملية انتقال الملكية والإدارة قد لا ينعكس فقط على أفراد العائلة، بل يمكن أن يؤدي أيضاً إلى فقدان وظائف وخبرات وتراكمات مهنية استغرق بناؤها عقوداً.

وفي هذا السياق، حذر قاسم بناني سميرس، رئيس معهد الشركات العائلية المغربي، من أن تعثر عمليات الخلافة يمكن أن تكون له تداعيات واسعة على الشركات والعاملين فيها، وبالتالي على الاقتصاد بشكل عام.

وتكشف تجارب مجموعات اقتصادية مغربية أخرى عن مقاربات مختلفة للتعامل مع مسألة انتقال القيادة والملكية بين الأجيال.

ففي «بنك أفريقيا»، لا يزال عثمان بنجلون، البالغ من العمر 93 عاماً، على رأس المجموعة، بينما لم يتجه أي من نجليه إلى العمل في القطاع المصرفي.

وفي قطاع البناء، اختارت مجموعة «SGTM» مساراً مختلفاً، بعدما قامت عائلات المؤسسين بطرح نحو 20% من أسهم الشركة للاكتتاب العام في ديسمبر 2025، مع الاحتفاظ بالسيطرة على المجموعة، وفتح رأسمالها في الوقت نفسه أمام مستثمرين من خارج العائلة.

وتبرز هذه النماذج اختلاف طرق التعامل مع انتقال القيادة داخل الشركات العائلية، بين الحفاظ على السيطرة العائلية، والاعتماد على الإدارة المهنية، أو اللجوء إلى الأسواق المالية لتوسيع قاعدة المساهمين.

أما في «ينا القابضة»، فقد تمكنت الإمبراطورية التي أسسها ميلود الشعبي من مواصلة نشاطها رغم مرور عقد على رحيله، بفضل هياكل إدارية ساعدت على عزل النشاط التشغيلي عن الخلافات العائلية.

لكن استمرار هذه الخلافات يطرح سؤالاً أساسياً حول مستقبل المجموعة وآلية انتقالها إلى الأجيال المقبلة، خصوصاً أن تجربة «ينا» تكشف أن بناء إمبراطورية اقتصادية قد يستغرق عقوداً، بينما يمكن أن تصبح مسألة الخلافة واحدة من أكبر الاختبارات التي تواجه استمراريتها.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى