امتيازات التعدين توسّع الحضور الصيني في نيكاراغوا وسط تنافس مع واشنطن

تتسارع وتيرة دخول الشركات الصينية إلى قطاع التعدين في نيكاراغوا، مع منحها عشرات الامتيازات للتنقيب واستغلال المعادن خلال السنوات الأخيرة، في خطوة تعزز الحضور الاقتصادي لبكين في دولة أميركا الوسطى وتضع قطاع الموارد الطبيعية في قلب التنافس على النفوذ بين الصين والولايات المتحدة.
وبحسب تحليل لبيانات حكومية نيكاراغوية، حصلت شركات صينية على نحو 80 امتيازاً للتعدين منذ عام 2023، تغطي مساحة إجمالية تقارب 1.4 مليون هكتار، أي ما يزيد على عُشر مساحة البلاد. وتظهر بيانات أحدث أن توسع الشركات الصينية في هذا القطاع استمر خلال 2026، مع ارتفاع عدد الامتيازات والمساحات الخاضعة لها.
لا تنفصل هذه القفزة في النشاط التعديني عن التحسن الكبير في العلاقات بين ماناغوا وبكين منذ استئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في عام 2021.
وتسعى حكومة الرئيس دانيال أورتيغا إلى توسيع التعاون مع الصين في مجالات متعددة، من بينها البنية التحتية والطاقة والاتصالات والموانئ والمطارات، فيما بات التعدين أحد أبرز المجالات التي يظهر فيها تنامي الحضور الصيني داخل البلاد.
كما حصلت نيكاراغوا على تمويل صيني تجاوز مليار دولار لمشروعات مختلفة، في وقت اتخذت فيه ماناغوا موقفاً داعماً لسياسات بكين الخارجية، بعدما قطعت علاقاتها مع تايوان في 2021 وأقامت علاقات دبلوماسية مع الصين.
ويرى الباحث خافيير ميلينديز، مدير مركز «إكسبيدينتي أبيرتو» لأبحاث أميركا الوسطى، أن العلاقة تقوم على تبادل المصالح، إذ تحصل نيكاراغوا على التمويل والاستثمارات، بينما توسع الصين وجودها الاقتصادي والاستراتيجي في المنطقة.
تزامن الانفتاح النيكاراغوي على الصين مع توتر متزايد في علاقات حكومة أورتيغا مع الولايات المتحدة. ومنذ عام 2017، فرضت واشنطن عقوبات على مسؤولين وشخصيات مرتبطة بالحكومة النيكاراغوية، كما سعت إلى الحد من تدفقات التمويل الدولية إلى ماناغوا.
وفي المقابل، قدمت الصين نفسها كشريك اقتصادي مستعد لتمويل مشروعات البنية التحتية والطاقة والاتصالات، ما أتاح لنيكاراغوا مصادر بديلة للتمويل.
وتقول بكين إن العلاقات الثنائية شهدت تطوراً كبيراً منذ عودة العلاقات الدبلوماسية، فيما ترى منظمات ومراكز بحثية أن قطاع التعدين أصبح أحد أهم المساحات التي يترجم فيها هذا التقارب إلى وجود اقتصادي مباشر.
تكشف البيانات الرسمية عن تغير واضح في تركيبة المستثمرين في قطاع التعدين النيكاراغوي. فمنذ 2023، حصلت 16 شركة صينية، معظمها من الشركات الصغيرة والمتوسطة، على عدد من الامتيازات يفوق ما حصلت عليه شركات التعدين الأخرى مجتمعة، وفق البيانات التي تناولها التحليل.
وتشير بيانات أخرى إلى أن شركات صينية باتت تسيطر على أكثر من مليون هكتار موزعة على عشرات الامتيازات، فيما تواصل الحكومة منح تراخيص جديدة أو نقل امتيازات قائمة إلى شركات صينية.
ومن بين أبرز المستفيدين شركة «توماس ميتال»، التي حصلت على 17 امتيازاً تغطي أكثر من 228 ألف هكتار، إلى جانب «براذر ميتال» التي تمتلك 14 امتيازاً تتجاوز مساحتها 208 آلاف هكتار، وفق بيانات منشورة في فبراير 2026.
يمثل الذهب المحور الأساسي لصناعة التعدين في نيكاراغوا، التي تعتمد عليه كمصدر مهم للعملة الأجنبية. وقد شكّل المعدن أكثر من خمس صادرات البلاد في العام الماضي، بينما تقدر شركة «ميتالز فوكس» الاستشارية موارد الذهب الموجودة في باطن الأرض بنحو 250 طناً.
ولا يقتصر الاهتمام على الذهب وحده، إذ تشير تقارير عن نشاط الشركات الصينية إلى وجود اهتمام أيضاً بمعادن أخرى، بينها النحاس وبعض المعادن التي تدخل في الصناعات الاستراتيجية والتكنولوجية.
ويأتي ذلك في وقت تعد فيه الصين من أكبر منتجي الذهب عالمياً، كما كثفت شركاتها ومؤسساتها الاستثمارية عمليات الاستحواذ على أصول مرتبطة بالمعدن النفيس خارج البلاد.
لكن توسع النشاط التعديني يثير في الوقت نفسه انتقادات من منظمات بيئية وحقوقية نيكاراغوية، خصوصاً بشأن الامتيازات الواقعة بالقرب من المناطق المحمية أو أراضي السكان الأصليين.
وتحذر منظمات بيئية من أن عمليات استخراج الذهب قد تؤدي إلى أضرار طويلة الأمد في حال عدم تطبيق ضوابط صارمة، خصوصاً مع استخدام مواد سامة مثل الزئبق والزرنيخ في بعض مراحل معالجة الخام.
وقال أمارو رويز، رئيس مؤسسة «فونداثيون ديل ريو»، إن التوسع في منح الامتيازات التعدينية تزامن مع إضعاف الإطار القانوني البيئي في البلاد، مشيراً إلى أن بعض الأراضي المشمولة بالامتيازات تقع داخل مناطق محمية أو ضمن أراضي الشعوب الأصلية.
وتشير تقارير حديثة للمنظمة إلى أن جزءاً من الامتيازات الصينية يشمل بالفعل مناطق محمية وأراضي للسكان الأصليين والأفرو-نيكاراغويين.
ويرى الباحث كريستوفر ساباتيني من «تشاتام هاوس» أن طبيعة النظام السياسي في نيكاراغوا قد تجعل البلاد بيئة مختلفة عن أسواق التعدين الأخرى، خصوصاً في ما يتعلق بقدرة السلطات على التعامل مع الاحتجاجات المرتبطة بالتلوث أو حقوق العمال.
وبينما توجد دول في المنطقة تمتلك احتياطيات أكبر من الذهب، فإن سهولة التعاون مع السلطات النيكاراغوية قد تكون عاملاً مؤثراً في قرارات بعض المستثمرين، بحسب ساباتيني.
وفي المقابل، شهد قطاع التعدين انتقالاً تدريجياً في وجهة الامتيازات الجديدة، إذ يقول مسؤول تنفيذي غربي في الصناعة إن الشركات الصينية باتت تحصل على حصة متزايدة من التراخيص، في تحول ملحوظ مقارنة بالسنوات السابقة.
ويحظى هذا التحول باهتمام في واشنطن، في ظل اعتبار قطاع التعدين أحد المجالات المرتبطة بالموارد الاستراتيجية والنفوذ الاقتصادي في نصف الكرة الغربي.
وقالت وزارة الخارجية الأميركية إنها تتابع النشاط الصيني في نيكاراغوا، بما في ذلك قطاع التعدين، مشيرة إلى العقوبات التي فرضتها واشنطن على كيانات وأفراد على خلفية اتهامات مرتبطة بالفساد والقمع.
وفي المقابل، واصلت الحكومة النيكاراغوية توسيع علاقاتها مع بكين، بينما لم تقدم روزاريو موريو، نائبة الرئيس والرئيسة المشاركة للبلاد وزوجة أورتيغا، رداً على أسئلة مكتوبة بشأن الامتيازات التعدينية.
ومع استمرار منح التراخيص، بات التعدين أحد أبرز مؤشرات التحول في علاقات نيكاراغوا الخارجية والاقتصادية، حيث تتقاطع احتياجات ماناغوا إلى التمويل والاستثمار مع مساعي بكين إلى توسيع حضورها في أميركا الوسطى، في وقت تراقب فيه واشنطن عن كثب تنامي هذا النفوذ.




