اقتصاد المغربالأخبار

المغرب أمام اختبار جديد: كيف تتحول المشاريع الكبرى إلى مكاسب مباشرة للمواطن؟

لم يعد النقاش حول المسار التنموي للمغرب مرتبطاً فقط بقدرته على إطلاق المشاريع الكبرى أو تعزيز جاذبيته الاستثمارية، بعدما قطع الاقتصاد الوطني أشواطاً مهمة في بناء بنيات إنتاجية أكثر تنافسية وترسيخ حضوره داخل سلاسل القيمة العالمية. لكن المرحلة المقبلة تفرض سؤالاً أكثر إلحاحاً: كيف يمكن تحويل هذه الدينامية الاقتصادية إلى نتائج ملموسة تنعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين؟

فالمغرب استطاع خلال السنوات الأخيرة تطوير عدد من القطاعات الاستراتيجية، واستقطاب استثمارات مهمة، وتعزيز بنيته التحتية، إلى جانب توسيع انفتاحه على الاقتصاد العالمي. غير أن استمرار هذا الزخم يقتضي اليوم الانتقال إلى مستوى آخر من التنمية، يكون فيه المردود الاجتماعي والاقتصادي للمشاريع في صدارة الأولويات.

وتكمن إحدى أبرز رهانات المرحلة المقبلة في جعل النمو أكثر قدرة على خلق فرص الشغل وتحسين مستويات الدخل وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية. فالأرقام الاقتصادية والمؤشرات الاستثمارية تظل مهمة، لكنها لا تعكس وحدها مدى نجاح النموذج التنموي ما لم يجد المواطن أثراً واضحاً له في ظروفه المعيشية ومستقبله المهني.

ومن هنا، فإن التحدي لا يتمثل في إبطاء وتيرة المشاريع والاستثمارات، وإنما في تعزيز قدرتها على إنتاج قيمة مضافة أكبر وتوسيع دائرة المستفيدين منها. فالمطلوب هو الانتقال من مرحلة بناء القدرات الاقتصادية إلى مرحلة تعظيم العائد الاجتماعي والاقتصادي لهذه القدرات.

وتبرز أمام الحكومة المقبلة مهمة أساسية تتمثل في تقليص الفجوة بين المشاريع الكبرى والمواطن، وجعل العلاقة بين الاستثمار والتشغيل أكثر مباشرة، إلى جانب ضمان انعكاس النمو الاقتصادي على القدرة الشرائية وجودة الخدمات وفرص الارتقاء الاجتماعي.

فإنشاء المصانع والموانئ والطرق والمناطق الصناعية والمنشآت الكبرى يشكل أساساً ضرورياً لأي اقتصاد حديث، لكنه لا يمثل الغاية النهائية للتنمية. وتكتمل قيمة هذه المشاريع عندما تتحول إلى وظائف جديدة، ومداخيل أفضل، ونشاط اقتصادي أوسع، وفرص حقيقية أمام الشباب والأسر.

كما أن المرحلة المقبلة ستكون مطالبة بإيجاد توازن أكثر وضوحاً بين تعزيز تنافسية الاقتصاد وتحقيق العدالة الاجتماعية، حتى لا تبقى ثمار النمو مركزة في قطاعات أو مناطق محددة، بل تمتد إلى مختلف الفئات والمجالات الترابية.

وبهذا المعنى، فإن الرهان الأساسي للمغرب لم يعد فقط على ماذا سيبني؟، وإنما على ماذا سيحقق ما بناه للمواطن؟. فالقوة الاقتصادية تصبح أكثر استدامة عندما تتحول إلى فرص ودخل واستقرار اجتماعي، وتصبح المشاريع الكبرى أكثر قيمة عندما يشعر المواطن بأنها جزء من تحسين مستقبله.

ومن المنتظر أن تكون هذه المعادلة محور الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة، أي قدرة المغرب على مواصلة بناء اقتصاد حديث ومنفتح وتنافسي، بالتوازي مع تسريع وتيرة تحسين مستوى المعيشة وتوسيع فرص العمل وتعزيز العدالة الاجتماعية.

وفي نهاية المطاف، فإن نجاح المسار التنموي لن يقاس فقط بحجم الاستثمارات أو عدد المشاريع المنجزة، وإنما بمدى قدرة الاقتصاد الوطني على تحويل هذه الإنجازات إلى ثروة وفرص ورفاه اجتماعي يشعر بها المغاربة في حياتهم اليومية.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى