العالم يتقدم في العمر.. فهل تتحول الشيخوخة إلى قوة جديدة للنمو؟

يستعد الاقتصاد العالمي لدخول مرحلة مختلفة تماماً عن كل ما عرفه خلال العقود الماضية، فالمعادلة السكانية التي قامت عليها أسواق العمل وأنظمة التقاعد والنمو الاقتصادي تتغير بسرعة.
أعداد المواليد تتراجع في دول عديدة، ومتوسط الأعمار يرتفع، وفي المقابل يحتفظ ملايين الأشخاص بقدرتهم على العمل والنشاط لفترة أطول من السابق.
وهذا التحول يضع الحكومات والشركات أمام سؤال يتجاوز قضية ارتفاع تكاليف التقاعد والرعاية الصحية: ماذا لو لم تكن الشيخوخة عبئاً اقتصادياً بالضرورة، بل مصدراً جديداً للعمالة والخبرة والإنتاجية؟
فزيادة متوسط العمر لا تعني فقط إضافة سنوات إلى حياة الإنسان، وإنما قد تعني أيضاً إطالة الفترة التي يستطيع خلالها المشاركة في سوق العمل والمساهمة في الاقتصاد، خصوصاً مع التقدم الطبي والتكنولوجي والانتشار المتزايد للأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي.
تشهد الخريطة السكانية العالمية تحولاً متسارعاً، مع ارتفاع أعداد كبار السن بالتزامن مع تراجع معدلات الإنجاب في الاقتصادات الكبرى.
وتشير بيانات مكتب الإحصاء السكاني الأمريكي إلى أن وتيرة تقدم العالم في العمر أصبحت أسرع من بعض التوقعات السابقة، فيما ساهمت جائحة “كوفيد-19” في تعميق انخفاض معدلات المواليد في عدد من الدول، من بينها الصين.
وفي الجانب الآخر، أدى ارتفاع متوسط العمر المتوقع إلى تمديد السنوات التي يقضيها الإنسان في مرحلة متقدمة من العمر. وأصبح الأشخاص الأكبر سناً يمثلون نسبة لا تقل عن 14% من السكان في أكثر من ثلث دول العالم.

ولا تقتصر الظاهرة على الدول الغنية، فبينما قطعت اليابان وأوروبا أشواطاً كبيرة في مسار الشيخوخة السكانية، تستعد مناطق أخرى، بينها إفريقيا، لمواجهة التحول نفسه خلال العقود المقبلة.
تظهر تداعيات هذا التغير بشكل مباشر في سوق العمل. فمع انخفاض أعداد الشباب وتراجع نسبة السكان في سن العمل، تواجه الاقتصادات تحدياً يتمثل في الحفاظ على مستويات الإنتاج والنمو رغم تقلص قاعدة العمالة.
وتقدم اليابان نموذجاً واضحاً لهذا المسار، إذ تجاوز عدد الأشخاص الذين تخطوا حاجز المئة عام 100 ألف شخص، بينما أصبحت أوروبا من أكثر مناطق العالم تقدماً في العمر.
وفي الولايات المتحدة، ارتفعت نسبة السكان الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً فأكثر إلى نحو 18% خلال الجزء الأول من القرن الحالي.
حتى إفريقيا، التي لا تزال تتمتع بتركيبة سكانية شابة نسبياً، يُتوقع أن تصبح ثاني أكبر مصدر للزيادة في أعداد الأشخاص الذين تتجاوز أعمارهم 65 عاماً بعد آسيا.
ومع تقلص عدد العاملين المحتملين، تصبح زيادة الإنتاجية أكثر أهمية من أي وقت مضى، لأن الاقتصاد سيحتاج إلى إنتاج المزيد باستخدام عدد أقل من الأيدي العاملة.
قد يبدو أن الحل الطبيعي لهذه المعادلة يكمن في تسريع الأتمتة والاعتماد على الروبوتات والذكاء الاصطناعي لتعويض النقص في العمالة.
لكن المسألة قد تكون أكثر تعقيداً من مجرد استبدال الإنسان بالآلة. فالتكنولوجيا يمكن أن تؤدي دوراً مختلفاً يتمثل في مساعدة الأشخاص الأكبر سناً على البقاء في سوق العمل لفترة أطول، وتقليل الجهد المرتبط بالمهام التي أصبحت أكثر صعوبة مع تقدم العمر.
ويؤكد جورج وارتون، الأستاذ المشارك في سياسات الصحة بكلية لندن للاقتصاد، أن كبار السن يقدمون مساهمة اقتصادية كبيرة، وهو ما يستدعي إعادة النظر في التعامل معهم باعتبارهم عبئاً على الاقتصاد.
ومن هنا تبرز أهمية الاستثمار في أنظمة الرعاية والدعم طويل الأجل، ليس فقط باعتبارها التزاماً اجتماعياً، وإنما كوسيلة للحفاظ على قدرة شريحة متزايدة من السكان على المشاركة في الحياة الاقتصادية.
أحد أهم التحولات التي قد تغير النظرة الاقتصادية إلى الشيخوخة هو أن زيادة متوسط العمر ترافقها في بعض الحالات زيادة في سنوات الحياة التي يقضيها الإنسان بصحة جيدة.
وأظهرت دراسة نُشرت في يونيو أن الأمريكيين أصبحوا يقضون السنوات الأخيرة من حياتهم في وضع صحي أفضل مقارنة بالماضي، إذ تمكن عدد كبير منهم من الاستفادة من الارتفاع في متوسط العمر المتوقع دون قيود جسدية أو معرفية كبيرة.
وخلال الفترة بين أوائل تسعينيات القرن الماضي ومرحلة ما قبل الجائحة، ارتفع متوسط العمر المتوقع بنحو 2.4 سنة، وتمكن كثير من الأمريكيين من قضاء هذه السنوات الإضافية دون قيود كبيرة على قدراتهم البدنية أو العقلية.
وتكمن أهمية هذه النتيجة اقتصادياً في أنها تغير العلاقة التقليدية بين ارتفاع العمر وزيادة الاعتماد على أنظمة الرعاية، إذ قد يكون جزء من السنوات الإضافية قابلاً للتحول إلى سنوات من العمل والنشاط والإنتاج.
تشير أبحاث اقتصادية إلى أن تراجع عدد السكان أو ارتفاع متوسط أعمارهم لا يؤدي تلقائياً إلى انخفاض الناتج الاقتصادي.
فدراسة شارك في تأليفها دارون عجم أوغلو، الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد، أظهرت أن اقتصادات واجهت سابقاً الشيخوخة والانكماش السكاني استطاعت زيادة الناتج لكل عامل، رغم تقلص أعداد السكان.
وكان الابتكار التكنولوجي أحد العوامل الرئيسية وراء هذا التحول، إذ دفعت ندرة العمالة إلى تطوير تقنيات تسمح بزيادة الإنتاج باستخدام قوة عاملة أصغر.
وتظهر تجربة ما بعد الحرب العالمية الثانية مثالاً على ذلك، عندما أدى النقص الحاد في العمال إلى تسريع تطوير واعتماد تقنيات موفرة للعمالة.
واليوم، قد يكون الذكاء الاصطناعي أكثر قدرة على لعب هذا الدور، نظراً إلى امتداده من الأعمال الصناعية والروتينية إلى المهام المكتبية والتحليلية والمعرفية.
قد تكون إحدى أهم نتائج الجمع بين الشيخوخة والتكنولوجيا إعادة تعريف قيمة الخبرة في سوق العمل.
فالعامل الأكبر سناً لا يبدأ من الصفر، بل يمتلك سنوات أو عقوداً من الخبرة والمعرفة المتراكمة، بينما يمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي أن تساعده على تنفيذ بعض المهام بسرعة أكبر وتقليل الجهد المرتبط بها.
وهكذا، يمكن أن تتقاطع ظاهرتان في الاتجاه نفسه: ارتفاع عدد السنوات التي يستطيع الإنسان العمل خلالها، وارتفاع إنتاجية العامل بفضل التكنولوجيا.
ويرى المنتدى الاقتصادي العالمي أن طول العمر يمكن أن يمثل فرصة اقتصادية كبيرة، مشيراً إلى أن تحسين بعض الجوانب الصحية البسيطة يمكن أن ينعكس على الإنتاجية.
ومن الأمثلة التي يطرحها المنتدى توسيع الوصول إلى أجهزة السمع، بما قد يساعد على الحد من بعض مخاطر التدهور المعرفي وتحسين قدرة الأشخاص على البقاء مندمجين في المجتمع وسوق العمل.
وتقدر هذه التدخلات بإمكانية إضافة نحو 645 مليار دولار إلى الإنتاجية خلال 15 عاماً.
تكمن صعوبة المرحلة المقبلة في أن المجتمعات الحديثة لم تختبر من قبل تركيبة سكانية بهذا الحجم من كبار السن.
ففي السويد عام 1851، كانت فرص بلوغ سن التسعين شبه معدومة، بينما أصبح احتمال الوصول إلى هذا العمر في عام 2022 يقارب شخصاً واحداً من كل ثلاثة.
ومع انخفاض معدلات المواليد بالتزامن مع ارتفاع متوسط العمر، أصبح العالم أمام تجربة ديموغرافية جديدة لا توجد لها سوابق تاريخية واسعة يمكن الاستناد إليها.
لكن عدداً من الدول بدأ بالفعل في تعديل سياساته.
ففي اليابان، تم تعزيز السياسات التي تتيح للأشخاص الاستمرار في العمل حتى سن 65 عاماً، بما يعكس الحاجة إلى الاستفادة من خبرات كبار السن وضمان استمرار مصادر دخلهم.
وفي سنغافورة، يجري تطوير حلول تقنية تسمح للأشخاص بمواصلة العمل بعد سن السبعين.
أما كوريا الجنوبية، التي انتقلت خلال 24 عاماً فقط من مرحلة الشيخوخة إلى مجتمع “فائق الشيخوخة”، فقد سارعت إلى تبني سياسات لمواجهة التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للتحول السكاني.
لم يعد التقدم في العمر ظاهرة يمكن للاقتصادات انتظارها أو محاولة عكس مسارها، بل أصبح اتجاهاً ديموغرافياً راسخاً سيعيد تشكيل سوق العمل والإنفاق العام والنمو خلال العقود المقبلة.
ولهذا، فإن التحدي الحقيقي لن يكون في منع المجتمعات من الشيخوخة، وإنما في رفع جودة السنوات الإضافية التي يعيشها الناس وتحويل جزء منها إلى سنوات من النشاط والإنتاج والمشاركة الاقتصادية.
وإذا تمكنت الدول من الجمع بين قوة عاملة أكبر سناً وأكثر صحة، وتكنولوجيا ترفع إنتاجية الفرد، وأنظمة رعاية ودعم طويلة الأجل أكثر كفاءة، فقد تتحول الشيخوخة من ضغط على الاقتصادات إلى فرصة لإعادة بناء نموذج النمو.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأكثر أهمية هو عدد كبار السن الذين سيعيشون في العالم خلال العقود المقبلة، بل عدد الذين سيتمكنون من مواصلة العمل والإنتاج والاستفادة من خبراتهم.
فالعالم يتقدم في العمر بلا شك، لكن المعادلة الاقتصادية الجديدة قد تثبت أن مجتمعاً أكبر سناً لا يعني بالضرورة اقتصاداً أقل إنتاجية.




