الاقتصادية

الصين تعيد رسم قواعد سوق العقارات وسط رهان على إنهاء أزمة امتدت لسنوات

تدخل الصين مرحلة جديدة في معالجة أزمة سوق العقارات، عبر حزمة من الإجراءات التي تعيد تنظيم آليات التمويل والاقتراض، في محاولة لتحقيق توازن بين تخفيف الضغوط المالية على المشترين والمطورين وبين الحد من الممارسات التي ساهمت في تضخم ديون القطاع خلال سنوات الازدهار.

وتمنح القواعد الجديدة مشتري المنازل والمطورين مساحة زمنية أطول لسداد الالتزامات وتمويل المشاريع، لكنها في المقابل تفرض قيوداً أكثر صرامة على أحد أبرز مصادر السيولة التي اعتمدت عليها شركات التطوير العقاري، وهو نظام البيع المسبق للوحدات السكنية.

وتأتي هذه الإجراءات في وقت لا تزال فيه السوق العقارية الصينية تعاني تداعيات الأزمة التي بدأت في 2021، بعدما أدى التوسع الائتماني الكبير والاعتماد الواسع على الاقتراض إلى ضغوط مالية متزايدة على عدد من شركات التطوير العقاري.

وأصدرت الجهات التنظيمية المالية الصينية في 28 أغسطس قواعد تسمح للبنوك بتقديم قروض عقارية تصل مدتها إلى 40 عاماً لبعض المشترين الذين يتمتعون بجدارة ائتمانية.

ويمثل تمديد آجال السداد محاولة لتخفيف الأعباء الشهرية عن الأسر وتوزيع تكلفة التمويل على فترة زمنية أطول، في وقت تسعى فيه السلطات إلى دعم الطلب على المساكن وتحسين قدرة السوق على التعافي.

ولا تتوقف التعديلات عند مشتري المنازل، إذ تسمح القواعد الجديدة للبنوك أيضاً بتمديد آجال بعض القروض الموجهة إلى شركات التطوير العقاري لتصل إلى سبع سنوات، على أن تتناسب مدة التمويل مع الفترة المطلوبة لاستكمال أعمال البناء التي يمولها القرض.

كما تتضمن الإصلاحات آلية جديدة تتيح للمطورين دفع قيمة الأراضي على أقساط بدلاً من تحمل التكلفة كاملة في بداية المشروع.

وقد يساعد هذا التغيير الشركات على تقليل حاجتها إلى الاقتراض لتوفير المدفوعات الأولية لشراء الأراضي، وهي تكلفة كانت تمثل عبئاً مالياً كبيراً على المطورين، خصوصاً خلال فترة التوسع السريع التي شهدها القطاع.

وفي حال تعاونت البنوك والحكومات المحلية في تنفيذ هذه الإجراءات، يمكن للمطورين ومشتري المنازل إعادة هيكلة جزء من التزاماتهم المالية وتوزيعها على آجال أطول، بما قد يخفف الضغوط قصيرة الأجل على السوق.

لكن في المقابل، تتحرك السلطات الصينية في الاتجاه المعاكس عندما يتعلق الأمر بنظام البيع المسبق للمساكن، الذي كان يمثل مصدراً مهماً للسيولة بالنسبة لشركات التطوير العقاري.

ويعتمد هذا النموذج على بيع الوحدات السكنية قبل اكتمال بنائها، ثم استخدام الأموال المحصلة من المشترين في تمويل أعمال المشروع. وخلال سنوات ازدهار السوق، لجأت شركات تطوير كبرى إلى توظيف هذه السيولة في مشروعات واستثمارات أخرى، ما زاد من اعتمادها على دورة مستمرة من المبيعات والاقتراض.

وكانت شركة «إيفرغراند» من أبرز الأمثلة على هذا النموذج، إذ أدى انهيار السيولة في قطاع العقارات إلى صعوبة استكمال عدد كبير من الوحدات التي بيعت مسبقاً، فيما استمرت جهود معالجة تداعيات الأزمة لسنوات.

واستغرقت عملية تصفية المتأخرات المرتبطة بالشركة نحو خمس سنوات حتى الآن، في وقت تلقى مؤسسها هوي كا يان حكماً بالسجن مدى الحياة الشهر الماضي.

وتسعى الجهات التنظيمية الصينية من خلال القواعد الجديدة إلى تجنب تكرار أزمة البيع المسبق، إذ لن يكون بإمكان المطورين بيع الوحدات في المشاريع الجديدة قبل اكتمال الهياكل الرئيسية للمباني.

كما ستخضع عائدات المبيعات لحسابات ضمان تخضع للرقابة، على ألا يتمكن المطورون من الوصول إلى الأموال إلا بعد استكمال الوحدة السكنية وفق القواعد المحددة.

ومن شأن هذه الإجراءات، من حيث المبدأ، تقليص مخاطر استخدام أموال المشترين في مشروعات أو استثمارات أخرى، وربط تدفقات السيولة بشكل أكبر بالمشروعات التي تم بيع الوحدات فيها.

لكن تشديد ضوابط التمويل يحمل في الوقت نفسه تكلفة اقتصادية محتملة، إذ قد تصبح شركات التطوير أكثر تحفظاً في إطلاق مشروعات جديدة، وهو ما يمكن أن ينعكس على حجم النشاط العقاري وعلى الإيرادات وفرص العمل المرتبطة بالقطاع.

وتكشف الإجراءات الجديدة عن توجه صيني لإعادة بناء سوق العقارات على أسس أكثر تحفظاً، بدلاً من العودة إلى نموذج النمو السريع الذي اعتمد بدرجة كبيرة على الاقتراض والمبيعات المسبقة وتوسع الشركات في شراء الأراضي.

فالسلطات تسعى من جهة إلى تخفيف أعباء التمويل عن المشترين والمطورين، ومن جهة أخرى إلى فرض قيود تحول دون تكرار آليات التمويل التي ساهمت في تفاقم الأزمة.

ويبقى التحدي الرئيسي في قدرة هذه الإصلاحات على تحقيق التوازن بين استقرار القطاع والحفاظ على النشاط الاقتصادي المرتبط به، خصوصاً أن سوق العقارات ترتبط بشكل مباشر بقطاعات واسعة من الاقتصاد الصيني.

وبينما تراهن بكين على أن تؤدي القواعد الجديدة إلى بناء سوق عقارية أكثر انضباطاً واستدامة على المدى الطويل، فإن المطورين يواجهون واقعاً مختلفاً يتمثل في ارتفاع القيود على السيولة وتراجع القدرة على إطلاق مشروعات جديدة، ما يجعل مسار التعافي الفعلي للسوق رهناً بمدى نجاح هذه الإجراءات في إعادة الثقة إلى المشترين والمستثمرين.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى