الاقتصادية

النحاس يتراجع مع تحول أنظار المستثمرين من الرسوم الأمريكية إلى ضعف الطلب الصيني

تراجعت أسعار النحاس في نيويورك للجلسة الثانية على التوالي، مع إعادة المستثمرين تقييم موجة الصعود القوية التي دفعت المعدن إلى مستويات قياسية، وسط تزايد التركيز على حقيقة الطلب في الصين بدلاً من تأثير تدفقات المعدن إلى الولايات المتحدة قبل دخول الرسوم الجمركية حيز التنفيذ.

وانخفضت عقود النحاس في بورصة كومكس لتسليم سبتمبر بنسبة 0.2% إلى 6.67 دولار للرطل عند الساعة 15:06 بتوقيت جرينتش، بعدما نجح العقد في تسجيل مستويات قياسية خلال ثلاث من الجلسات الأربع السابقة.

ويبدو أن عمليات جني الأرباح بدأت تضغط على الأسعار بعد المكاسب القوية التي حققها المعدن، بالتزامن مع ترقب المستثمرين خطاب رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وارش، في منتدى جاكسون هول يوم الجمعة، بحثاً عن إشارات بشأن مسار السياسة النقدية الأمريكية.

وفي المقابل، لا تزال سوق النحاس في لندن تعكس حالة من ضيق المعروض، إذ صعد السعر النقدي الرسمي للمعدن في بورصة لندن للمعادن إلى 14,525 دولاراً للطن عند إغلاق الأربعاء، بزيادة قدرها 355 دولاراً خلال أسبوع.

كما اتسع الفارق بين سعر النحاس النقدي والعقود الآجلة لأجل ثلاثة أشهر مجدداً إلى 189 دولاراً للطن، بعدما شهد هذا الفارق تراجعاً حاداً في وقت سابق من الشهر، مع اندفاع المتعاملين لنقل كميات كبيرة من المعدن إلى مستودعات بورصة لندن للمعادن.

واستقرت العقود الآجلة للنحاس لأجل ثلاثة أشهر عند 14,336 دولاراً للطن، بينما انخفضت مخزونات المعدن المسجلة في مستودعات البورصة مرة أخرى إلى نحو 237,475 طناً.

وجاءت الضغوط على النحاس بعدما كشفت بيانات صينية عن تباطؤ نمو أرباح الشركات الصناعية خلال يوليو، في إشارة إلى استمرار التفاوت بين قطاعات الاقتصاد المختلفة.

وارتفعت أرباح الشركات الصناعية الصينية بنسبة 11.2% على أساس سنوي في يوليو، مقارنة بنمو بلغ 15.1% خلال يونيو، مسجلة بذلك أبطأ وتيرة نمو منذ بداية العام، وفق بيانات المكتب الوطني للإحصاء.

وتظهر تفاصيل البيانات أن القطاعات المرتبطة بالإلكترونيات والمواد الخام كانت من أبرز محركات نمو الأرباح، بينما ظل أداء القطاعات الأكثر ارتباطاً بالإنفاق الاستهلاكي أضعف نسبياً.

وتثير هذه الصورة تساؤلات حول مدى اعتماد الارتفاع الأخير في أسعار النحاس على الطلب الحقيقي، خصوصاً أن جزءاً كبيراً من الصعود ارتبط بإعادة توجيه المخزونات العالمية استعداداً للرسوم الأمريكية على واردات النحاس.

وتتجه الولايات المتحدة إلى فرض رسوم جمركية تبلغ 15% على النحاس المكرر اعتباراً من يناير، على أن ترتفع إلى 30% في عام 2028، وهو ما دفع كميات من المعدن إلى الأسواق والمستودعات الأمريكية على حساب مناطق أخرى.

وأدى هذا التحول في مسارات التجارة إلى زيادة الضغوط على المعروض المتاح في الأسواق العالمية خارج الولايات المتحدة، في وقت يرى فيه بعض المتعاملين أن شحن النحاس إلى السوق الأمريكية قبل تطبيق الرسوم لا يزال أكثر جاذبية من إعادة توجيهه إلى بورصات أخرى.

وفي هذا السياق، أشار ديفيد ويلسون، رئيس استراتيجية المعادن لدى بي إن بي باريبا، إلى أن الحافز الاقتصادي لنقل النحاس إلى الولايات المتحدة قبل الموعد النهائي للرسوم يظل قوياً، متسائلاً عن جدوى تسليم المعدن إلى مستودعات بورصة لندن للمعادن في ظل فروق الأسعار الحالية.

من جانب آخر، لفت دانيال هاينز، كبير استراتيجيي السلع في إيه إن زد، إلى الارتفاع الكبير في إلغاء إيصالات التخزين في بورصة لندن للمعادن بداية الأسبوع، وهي عملية تشير إلى نية سحب كميات من المعدن المخزن، معتبراً أن ذلك يعيد المخاوف بشأن توفر الإمدادات.

ورغم تراجع الأسعار في نيويورك، لا تزال بعض المؤسسات المالية تراهن على استمرار قوة النحاس، مع استمرار المخاوف المتعلقة بالمعروض العالمي.

وحافظت سيتي غروب على مستهدفها لسعر النحاس عند 14,500 دولار للطن خلال فترة تتراوح بين صفر وثلاثة أشهر، وعلى توقعها بوصول السعر إلى 15,000 دولار للطن بنهاية العام.

وترى المؤسسة أن ضعف نمو الطلب لا يزال قائماً، لكن تأثيره قد يكون أقل من الضغوط الناجمة عن محدودية المعروض، خصوصاً مع تراجع المخزونات المعلنة خارج الولايات المتحدة، وصعوبة زيادة إنتاج المناجم بسرعة، إلى جانب استجابة إمدادات النحاس المعاد تدويره بصورة محدودة لارتفاع الأسعار.

وبذلك، يواجه النحاس في المرحلة المقبلة اختباراً مزدوجاً؛ فمن جهة، يضغط تباطؤ الطلب الصيني على الأسعار، ومن جهة أخرى، تظل تحركات المخزونات والقيود المفروضة على المعروض عوامل داعمة للسوق. ويترقب المستثمرون ما إذا كان المعدن سيتمكن من استعادة زخمه القياسي، أم أن تراجع الطلب الفعلي سيضع حداً للموجة الصعودية الأخيرة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى