اقتصاد المغربالأخبار

المغرب يراهن على التيتانيوم والإنتيمون لتعزيز موقعه في سوق المعادن

تفتح التحولات المتسارعة في سوق المعادن الاستراتيجية فرصاً جديدة أمام المغرب لتعزيز دوره في سلاسل الإمداد العالمية، خصوصاً مع ارتفاع الطلب على المواد التي تشكل مدخلات أساسية لصناعات الطيران والدفاع والإلكترونيات والتكنولوجيات المتقدمة.

وفي هذا السياق، برزت مشاريع استكشاف التيتانيوم والإنتيمون في المملكة كرهان جديد على موارد معدنية تكتسب أهمية متزايدة لدى الاقتصادات الكبرى، في وقت تتجه فيه الدول إلى تنويع مصادر التوريد وتقليص مخاطر الاعتماد على عدد محدود من المنتجين العالميين.

وسلط تقرير لمنصة التعدين الأسترالية “Mining” الضوء على آخر التطورات المرتبطة بمشروع “تايتان بيتش” للتيتانيوم، بعد دخوله مرحلة جديدة من خلال تشغيل معمل تجريبي لمعالجة الخام.

ويمتد المشروع على مساحة تقارب 192 كيلومتراً مربعاً، بينما تشير المعطيات الأولية إلى وجود نسبة تقدر بنحو 14.9% من أكسيد التيتانيوم في الموارد التي جرى استكشافها، ما يعزز الاهتمام بالإمكانات المستقبلية للموقع.

وتكتسب هذه المؤشرات أهمية خاصة بالنسبة للمغرب، الذي طور خلال السنوات الماضية قاعدة صناعية متنامية في مجال الطيران، ما قد يتيح مستقبلاً فرصاً لربط الموارد المعدنية المحلية بسلاسل التصنيع ذات القيمة المضافة.

ويأتي ذلك في وقت يتزايد فيه الطلب العالمي على التيتانيوم بسبب خصائصه التي تجعله ملائماً لعدد من التطبيقات الصناعية المتقدمة، بينما أدرجته مجموعة من الاقتصادات الكبرى ضمن قوائم المعادن الحرجة والاستراتيجية.

وتسعى الولايات المتحدة وكندا وعدد من الدول الأوروبية إلى تأمين إمدادات مستقرة من هذه المواد، في ظل تركّز الإنتاج العالمي لدى عدد محدود من الموردين، الأمر الذي يفتح المجال أمام دول أخرى لتطوير مواردها والدخول إلى سلاسل التوريد الدولية.

ولا تقتصر الإمكانات التي يجري استكشافها في المغرب على التيتانيوم، إذ يحظى الإنتيمون بدوره باهتمام متزايد، بالنظر إلى استخداماته في قطاعات صناعية وتقنية متعددة.

ومن بين المشاريع التي سلط التقرير الضوء عليها “مشروع الدار البيضاء للإنتيمون”، الذي يمتد على مساحة تناهز 79 كيلومتراً مربعاً في وسط المملكة.

وأظهرت عينات صخرية جرى تحليلها تركيزات مرتفعة من الإنتيمون وصلت في بعض الحالات إلى 46.52%، وهي نتائج توفر مؤشرات أولية على وجود إمكانات معدنية تستحق مواصلة عمليات الاستكشاف والتقييم.

لكن هذه المعطيات لا تعني بالضرورة أن المشروع بات جاهزاً للإنتاج التجاري، إذ يتطلب الانتقال إلى هذه المرحلة تحديد حجم الموارد القابلة للاستخراج، ودراسة خصائص الخام، وتقييم الجدوى الاقتصادية والبيئية والتقنية للمشروع.

وتأتي أهمية الإنتيمون في وقت يشهد فيه سوقه العالمي تحولات لافتة، خصوصاً بعدما فرضت الصين في 2024 قيوداً على صادرات المعدن إلى الولايات المتحدة، في ظل مكانة بكين البارزة في الإنتاج العالمي وسلاسل الإمداد.

ويزيد تراجع الإنتاج العالمي من أهمية تطوير مصادر بديلة للإنتيمون. فقد انخفض الإنتاج العالمي من نحو 187 ألف طن في 2011 إلى حوالي 110 آلاف طن في 2023، ما يعكس الضغوط التي تواجه الإمدادات العالمية.

وأمام هذه التطورات، تعمل الاقتصادات الغربية على تقليل اعتمادها على مصادر محدودة للمعادن الحيوية، عبر تشجيع عمليات الاستكشاف وتطوير المناجم الجديدة وبناء سلاسل توريد أكثر تنوعاً.

وقد يمنح هذا التحول المغرب فرصة لتعزيز موقعه كمصدر محتمل للإنتيمون، شريطة أن تؤكد عمليات الاستكشاف اللاحقة وجود موارد تجارية قادرة على دعم مشاريع إنتاج مستدامة وقابلة للمنافسة.

وتنسجم هذه المشاريع مع توجه أوسع للمغرب نحو إعادة تطوير قطاع التعدين على أساس رفع القيمة المضافة، بدلاً من الاقتصار على استخراج الموارد وتصديرها في صورتها الأولية.

ويرتكز هذا التوجه على تشجيع الاستثمار في الاستكشاف والمعالجة والتثمين، إلى جانب تطوير التكنولوجيا والبحث العلمي المرتبطين بالقطاع، بما يسمح بتحويل الموارد المعدنية إلى منتجات تدخل في صناعات أكثر تقدماً.

ويمنح المغرب في هذا المجال عدداً من المزايا، أبرزها موقعه الجغرافي القريب من السوق الأوروبية، وتطور بنيته التحتية الصناعية واللوجستية، إضافة إلى الخبرة المتراكمة في قطاع التعدين.

كما يندرج هذا المسار ضمن أهداف مخطط المغرب التعديني للفترة 2021-2030، الذي يركز على تعزيز جاذبية القطاع للاستثمارات، وتطوير عمليات الاستكشاف، ودعم الابتكار، ورفع مساهمة المعادن في الاقتصاد الصناعي.

ومع استمرار المنافسة العالمية على تأمين المعادن الحرجة، قد تتحول مشاريع التيتانيوم والإنتيمون إلى مكونات مهمة في استراتيجية المغرب لتطوير قطاعه المعدني.

وفي حال أثبتت أعمال الاستكشاف الجدوى الاقتصادية لهذه الموارد، فإن الفرصة لن تقتصر على استخراجها، بل قد تمتد إلى تطوير عمليات المعالجة والتثمين وربطها بالصناعات المحلية، بما يسمح للمغرب بالانتقال تدريجياً من موقع المنتج للمواد الخام إلى شريك محتمل في سلاسل القيمة العالمية للمعادن الاستراتيجية.

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى