الاقتصادية

صادرات السيارات الصينية تتجاوز 10 ملايين مركبة.. والسفن تتحول إلى عنق الزجاجة

لم تعد الطفرة التي حققتها صناعة السيارات الصينية تتوقف عند حدود الإنتاج والمبيعات، بعدما تحولت الشركات المحلية إلى قوة تصديرية ضخمة تنافس المصنعين التقليديين في أسواق متعددة حول العالم.

غير أن هذا النجاح بدأ يخلق مشكلة من نوع آخر، إذ أصبحت قدرة قطاع النقل البحري على مواكبة تدفق السيارات الصينية موضع اختبار حقيقي.

فمع وصول صادرات السيارات الصينية إلى مستويات قياسية، تجد الشركات نفسها أمام معادلة جديدة: مصانع قادرة على إنتاج ملايين المركبات، وأسواق خارجية مستعدة لاستقبالها، لكن عدد السفن المتخصصة في نقل السيارات لا ينمو بالسرعة نفسها.

وسجلت الصادرات الصينية في يونيو مستوى قياسيًا عند نحو 1.06 مليون سيارة خلال شهر واحد، ما يضع البلاد على مسار لتجاوز 10 ملايين سيارة مصدرة خلال 2026، مقارنة بنحو 7.1 مليون وحدة خلال العام السابق.

وتأتي هذه القفزة في وقت تشهد فيه السوق الصينية المحلية فائضًا في الإنتاج، إلى جانب منافسة محتدمة بين أكثر من 100 علامة تجارية، ما يدفع المصنعين إلى البحث بصورة متزايدة عن المستهلكين في الخارج، خصوصًا في أوروبا وأستراليا وأمريكا اللاتينية.

لكن التوسع السريع في الصادرات كشف عن نقطة ضعف في سلسلة الإمداد، تتمثل في نقص القدرة البحرية اللازمة لنقل كل هذه السيارات إلى وجهاتها النهائية.

China Car Sales Drop Again as Exports Gain Speed Toward GCC Markets - ArabWheels

تعد السفن المصممة لنقل السيارات الوسيلة الأساسية في التجارة العالمية للمركبات، إذ تحتوي على عدة طوابق داخلية تتيح استيعاب آلاف السيارات في مساحة تشبه موقف سيارات عملاقًا عائمًا.

وتوفر هذه السفن كفاءة مرتفعة مقارنة بالوسائل البديلة، سواء من حيث عدد السيارات التي يمكن نقلها في الرحلة الواحدة أو مستوى الحماية الذي توفره للمركبات، ولذلك تظل الخيار المفضل لدى شركات صناعة السيارات.

غير أن محدودية الأسطول المتاح دفعت الشركات إلى البحث عن خيارات أخرى، يأتي في مقدمتها استخدام حاويات الشحن التقليدية.

وفي هذه الحالة، توضع عادةً عدة سيارات داخل الحاوية الواحدة، ثم تُحمّل على السفن بواسطة الرافعات. ورغم أن هذا الأسلوب يسمح بتجاوز جزء من أزمة نقص السفن المتخصصة، فإنه أكثر تعقيدًا وارتفاعًا في التكلفة، كما يتطلب ترتيبات إضافية لحماية السيارات أثناء النقل.

كما تستخدم بعض شركات الشحن رفوفًا وهياكل معدنية خاصة يمكن تحميلها داخل السفن، ما يتيح نقل عدد أكبر من المركبات مقارنة بالطرق التقليدية، لكنه لا يوفر الكفاءة نفسها التي تتمتع بها السفن المصممة خصيصًا لهذا النشاط.

ومع استمرار ارتفاع أعداد المركبات المتجهة إلى الخارج، بدأت الحاويات تلعب دورًا أكبر في تجارة السيارات الصينية.

Chinese exports show resilience in April despite US tariffs | South China Morning Post

فما كان يُنظر إليه في السابق باعتباره حلًا محدودًا أو استثنائيًا أصبح وسيلة مهمة لتجاوز الاختناقات التي تواجهها شركات صناعة السيارات في الحصول على المساحات المطلوبة على السفن المتخصصة.

وقد ساهمت جائحة كورونا في تسريع هذا الاتجاه، بعدما أدت اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية إلى اختلال التوازن بين الطلب على نقل السيارات والطاقة المتاحة من السفن.

ووفق تقديرات لاسي كريستوفرسن، الرئيس التنفيذي لشركة «والينيوس ويلهلمسن»، يمكن أن تصل السيارات التي تصدرها الصين سنويًا باستخدام الحاويات ووسائل النقل البديلة إلى نحو 4 ملايين مركبة.

ورغم ذلك، تظل السفن المتخصصة أكثر جاذبية للمصنعين، نظرًا لقدرتها على نقل أعداد ضخمة من السيارات بصورة أكثر كفاءة وأقل تعقيدًا.

وكان قطاع الشحن يتوقع أن يؤدي دخول سفن جديدة إلى الخدمة خلال 2026 إلى زيادة المعروض وتهدئة أسعار التأجير، إلا أن استمرار نمو الصادرات الصينية دفع السوق في اتجاه معاكس.

فمع كل زيادة في حجم السيارات المخصصة للأسواق الخارجية، يرتفع الطلب على السفن، لتجد شركات النقل نفسها أمام منافسة متزايدة على المساحات المتاحة.

وبحسب بيانات شركة «كلاركسونز»، بلغ متوسط تكلفة استئجار سفينة قادرة على نقل نحو 6500 سيارة حوالي 70 ألف دولار يوميًا في يونيو 2026، مقارنة بـ42.5 ألف دولار في ديسمبر 2025، بزيادة تقترب من 65%.

الفترةمتوسط سعر التأجير (ألف دولار يوميًا)
يونيو 202670.0
مايو 202665.0
أبريل 202655.0
مارس 202650.0
فبراير 202650.0
يناير 202647.5
ديسمبر 202542.5

ويعكس هذا المسار تحول طفرة السيارات الصينية إلى عامل ضغط مباشر على سوق النقل البحري، بعدما أصبحت السفن المتخصصة أصلًا نادرًا تتنافس عليه شركات السيارات والمصدرون.

ولم تنتظر بعض الشركات الصينية تدخل شركات الشحن لحل المشكلة، بل بدأت في بناء قدراتها البحرية الخاصة لتأمين جزء من عمليات التصدير.

وتأتي «بي واي دي» في مقدمة الشركات التي اتخذت هذا المسار، إذ أطلقت أول سفينة مخصصة لنقل السيارات في 2024، قبل أن توسع أسطولها ليصل إلى ثماني سفن.

وتعكس هذه الخطوة تغيرًا في طبيعة المنافسة داخل قطاع السيارات الصيني، فالشركات لم تعد تركز فقط على تطوير التكنولوجيا أو خفض الأسعار أو زيادة الإنتاج، وإنما بدأت تنظر إلى الخدمات اللوجستية والنقل البحري باعتبارها جزءًا أساسيًا من استراتيجيتها العالمية.

وفي المقابل، تعمل أحواض بناء السفن على زيادة عدد السفن المخصصة لنقل المركبات، لكن نمو الأسطول لا يزال يواجه تحديًا يتمثل في السرعة التي تتوسع بها صادرات السيارات الصينية.

تكشف هذه التطورات أن التوسع العالمي لشركات السيارات الصينية دخل مرحلة جديدة، لم يعد فيها الإنتاج وحده هو العامل الحاسم.

فالشركات التي تمكنت من تجاوز مشكلة ضعف الطلب المحلي عبر فتح أسواق جديدة تواجه الآن اختبارًا لوجستيًا يتمثل في ضمان وصول سياراتها إلى تلك الأسواق بكفاءة وتكلفة مناسبة.

ومع استمرار تدفق السيارات من المصانع الصينية، قد تتحول السفن المتخصصة إلى أحد أهم الأصول الاستراتيجية في صناعة السيارات العالمية، لتصبح المنافسة في المرحلة المقبلة أبعد من السعر والتكنولوجيا والتصميم.

ففي سوق تتدفق فيه ملايين السيارات إلى الخارج، قد لا يكون السؤال الأهم هو من يستطيع إنتاج السيارة، وإنما من يملك القدرة على إيصالها إلى المشتري.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى