رغم الطفرة الاقتصادية.. شباب طنجة يواجهون صعوبات في السكن واستقرار العمل

تضع معطيات حديثة حول أوضاع الشباب في طنجة صورة مغايرة نسبيا للدينامية الاقتصادية التي تعرفها المدينة، بعدما كشفت عن صعوبات تواجه جزءا من هذه الفئة في تحمل نفقات السكن والوصول إلى وظائف مستقرة.
وتظهر النتائج أن النمو المتسارع للأنشطة الاقتصادية والاستثمارات لم ينعكس بالوتيرة نفسها على قدرة جميع الشباب على مواجهة تكاليف الحياة اليومية.
وبحسب تقرير أوروبي حديث، فإن نحو نصف الشباب الذين شملهم المسح في طنجة فقط يستطيعون تغطية تكاليف السكن دون صعوبات كبيرة، فيما يواجه آخرون ضغوطا متفاوتة تشمل الإيجار وفواتير الماء والكهرباء وغيرها من المصاريف المرتبطة بالمسكن.
وأُنجز التقرير لصالح وحدة معلومات بلد المنشأ التابعة للمكتب الاتحادي النمساوي للهجرة واللجوء، واستند إلى استطلاع شمل 600 شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 16 و35 عاما في طنجة والدار البيضاء ومراكش.
وضمت العينة 188 مشاركا من طنجة، إلى جانب 203 مشاركين من الدار البيضاء و209 من مراكش، فيما جرى جمع البيانات بين يناير ومارس 2026 من خلال مقابلات هاتفية.
تكشف نتائج الدراسة عن تفاوت ملحوظ بين المدن الثلاث في القدرة على تحمل تكاليف السكن. ففي طنجة، قال 52% من المشاركين إنهم قادرون على تغطية هذه النفقات، بينما ارتفعت النسبة إلى 67% في الدار البيضاء و58% في مراكش.
لكن النسبة المتبقية من المشاركين تعكس مستويات مختلفة من الضغط المالي، إذ أفاد 30% من شباب طنجة بأنهم بالكاد يستطيعون تغطية تكاليف السكن، بينما قال 15% إنهم يواجهون صعوبة في تحملها، في حين أكد 3% عدم قدرتهم على الوفاء بهذه المصاريف.
وتشير هذه النتائج إلى أن تكاليف السكن أصبحت عاملا مؤثرا في الوضع المالي لشريحة من الشباب، خصوصا بالنسبة إلى أصحاب الدخول المحدودة أو العاملين في وظائف لا توفر دخلا مستقرا.
وعلى مستوى وضعية السكن، أفاد 40% من المشاركين في طنجة بأنهم يقيمون في مساكن مستأجرة، بينما يعيش 57% في مساكن مملوكة لهم أو لأسرهم، وهو ما يخفف نسبيا من الضغط الذي قد تفرضه تكاليف الإيجار على جزء من العينة.
وتكشف الدراسة في الوقت نفسه عن تحديات مرتبطة بسوق العمل، إذ قال 54% من المشاركين في طنجة إنهم يعملون بشكل مستمر، بينما أفاد 10% بأنهم يعملون بصورة متقطعة.
في المقابل، صرح 12% بأنهم لا يعملون حاليا، وهي النسبة الأعلى مقارنة بالمدينتين الأخريين المشمولتين بالدراسة، حيث بلغت 9% في مراكش و7% في الدار البيضاء.
غير أن التقرير يشدد على أن هذه النسبة لا تمثل معدل البطالة الرسمي في طنجة، كونها تستند إلى عينة محدودة ومتنوعة، تشمل طلبة وربات بيوت وفئات أخرى، ولا تعتمد المنهجية الرسمية التي تستخدمها المندوبية السامية للتخطيط في قياس البطالة.
وتشير البيانات إلى أن 18% من أفراد العينة في طنجة يتابعون دراستهم، بينما تمثل ربات البيوت 6%، في حين يعمل بعض المشاركين في وظائف مؤقتة أو يعتمدون على أعمال مقابل أجر يومي، ما يعكس تنوع الأوضاع المهنية داخل الفئة المستجوبة.
وتأتي هذه المؤشرات في سياق تشهد فيه طنجة تحولات اقتصادية واسعة، جعلت منها خلال السنوات الأخيرة واحدة من أبرز المراكز الصناعية واللوجستية في المغرب.
فالتوسع المرتبط بميناء طنجة المتوسط، إلى جانب نمو المناطق الصناعية وتدفق الاستثمارات، ساهم في تعزيز النشاط الاقتصادي وخلق فرص جديدة أمام اليد العاملة، غير أن المعطيات الجديدة تبرز أن الاستفادة من هذه الدينامية لا تزال متفاوتة بين فئات الشباب.
وتبرز كلفة السكن باعتبارها أحد أبرز التحديات، خاصة بالنسبة إلى الشباب الذين يدخلون سوق العمل حديثا أو يتقاضون أجورا محدودة. فارتفاع تكلفة الإيجار مقارنة بالدخل قد يجعل الاستقلال عن الأسرة أكثر صعوبة، كما قد يدفع بعض العاملين إلى تحمل مسافات أطول للوصول إلى أماكن العمل بحثا عن سكن أقل تكلفة.
ويضاف إلى ذلك عدم استقرار بعض الوظائف، الذي يجعل التخطيط للنفقات المستقبلية أكثر صعوبة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالتزامات ثابتة مثل الإيجار والفواتير.
وتعيد نتائج التقرير طرح سؤال أساسي حول مدى قدرة سوق السكن والعمل على مواكبة التحولات الاقتصادية والديموغرافية التي تعرفها طنجة.
فالنمو الاقتصادي، رغم أهميته في خلق فرص العمل وتحريك الاستثمارات، لا يضمن بالضرورة تحسن الظروف المعيشية لجميع الفئات إذا لم تترافق معه أجور قادرة على مواكبة تكاليف الحياة، ووظائف أكثر استقرارا، وخيارات سكنية تتناسب مع إمكانات الشباب.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة إلى الجيل الشاب، الذي يمثل جزءا رئيسيا من القوة العاملة المستقبلية للمدينة، ويحتاج إلى ظروف اقتصادية تمكنه من الاستقلال وبناء مسار مهني واجتماعي مستقر.
وتكشف الأرقام في نهاية المطاف عن مفارقة بين دينامية طنجة الاقتصادية والضغوط التي تواجه جزءا من شبابها. فبينما تواصل المدينة توسيع حضورها الصناعي واللوجستي وجذب الاستثمارات، يبقى التحدي قائما في ضمان انتقال ثمار هذا النمو إلى الحياة اليومية للسكان، خصوصا من خلال تحسين القدرة على تحمل تكاليف السكن وتوفير فرص عمل مستقرة وذات دخل ملائم.




