بين الغلاء واختفاء العقاقير.. معضلة الدواء المعقدة تؤرق المرضى والصيادلة بالمغرب

لم يعد النقاش حول أسعار الأدوية في المغرب مرتبطا فقط بمدى قدرة الأسر على تحمل نفقات العلاج، بل أصبح يتصل بشكل مباشر بقدرة السوق على الحفاظ على وفرة الأدوية واستمرارية توزيعها.
فبينما تتزايد المطالب بتقليص كلفة العلاجات، خصوصا بالنسبة إلى المرضى المصابين بأمراض مزمنة وخطيرة، يحذر مهنيو القطاع من أن خفض الأسعار بصورة غير متوازنة قد يفتح الباب أمام أزمة أخرى تتمثل في تراجع إنتاج بعض الأدوية أو اختفائها من الصيدليات.
وتضع هذه المعادلة السلطات أمام تحدٍ معقد، إذ يتعين تحقيق قدر أكبر من الحماية للقدرة الشرائية للمواطنين، دون الإضرار بالجدوى الاقتصادية للشركات المصنعة أو بالاستقرار المالي للصيدليات. ويزداد تعقيد الملف مع استمرار شكاوى بشأن عدم توفر بعض الأصناف، ما يجعل مسألة السعر والتوفر وجهين لمشكلة واحدة.
وتحذر نقابات مهنية تمثل الصيادلة من أن اعتماد تخفيضات واسعة في أسعار الأدوية، من دون تقييم انعكاساتها على مختلف حلقات سلسلة التوزيع والإنتاج، قد يدفع الشركات إلى إعادة النظر في تصنيع بعض المنتجات التي لم تعد تحقق عائدا اقتصاديا كافيا.
ويبرز هذا الخطر بصورة أكبر بالنسبة إلى الأدوية منخفضة السعر، حيث يرى مهنيون أن بعض المنتجات التي لا يتجاوز ثمنها 10 أو20 أو30 درهما قد تصبح أقل جاذبية بالنسبة إلى الشركات، خاصة إذا ارتفعت تكاليف التصنيع والتوزيع مقارنة بالسعر النهائي، الأمر الذي قد يؤدي إلى تقليص الإنتاج أو التوقف عن تصنيع بعض الأصناف.
ولا تتوقف تداعيات سياسة التسعير عند الشركات المصنعة، إذ ينعكس انخفاض أسعار الأدوية أيضا على مداخيل الصيدليات، بالنظر إلى ارتباط جزء من هامش ربح الصيدلي بقيمة المنتجات التي يسوقها.
ويرى مهنيون أن استمرار خفض الأسعار من دون اتخاذ إجراءات موازية لدعم استقرار القطاع قد يفاقم الصعوبات المالية التي تواجهها الصيدليات، خصوصا في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل وتراجع الهوامش.
وتشير تقديرات متداولة داخل القطاع إلى أن ما بين 30 و40% من الصيدليات في المغرب تعاني صعوبات مالية، ما يثير مخاوف من عدم قدرة عدد منها على مواصلة نشاطها. ويحذر مهنيون من أن تفاقم هذه الضغوط قد يقود إلى إغلاق بعض الصيدليات، في سيناريو سبق أن عرفته أسواق أوروبية واجهت فيها الصيدليات ظروفا مالية صعبة.
ويؤكد المهنيون أن إصلاح منظومة أسعار الأدوية لا يمكن أن يقتصر على تحديد سعر البيع للمستهلك، وإنما يجب أن يشمل مختلف مكونات السلسلة، من تكلفة الإنتاج والاستيراد إلى التوزيع والبيع، مع مراعاة وضعية الصيدليات وقدرة أنظمة التغطية الصحية على تحمل تكاليف العلاج.
في الجهة المقابلة، لا تزال القدرة الشرائية تمثل أحد أبرز أسباب انتقاد أسعار الأدوية في المغرب. فرغم الإجراءات التي اتخذت خلال السنوات الماضية لخفض أسعار عدد من المنتجات، يرى مواطنون أن تكلفة بعض العلاجات لا تزال مرتفعة مقارنة بمستويات الدخل، خصوصا عندما يتعلق الأمر بأدوية يتعين اقتناؤها بشكل مستمر.
وتظهر المشكلة بشكل أوضح في علاجات الأمراض المزمنة، حيث يتحول الإنفاق الشهري المتكرر على الدواء إلى عبء مالي طويل الأمد على الأسر. كما يشير مواطنون إلى أن بعض الأدوية تبقى مرتفعة الثمن مقارنة بأسعارها في أسواق عربية أخرى، مثل تونس ومصر، وكذلك في بعض الأسواق الأوروبية.
ولا تقتصر شكاوى المرضى على السعر، إذ ترتبط أيضا بتوفر الدواء. ففي بعض الحالات، يجد المريض نفسه مضطرا إلى زيارة عدد كبير من الصيدليات بحثا عن علاج معين، بينما يضطر آخرون إلى محاولة الحصول عليه من خارج البلاد عندما يتعذر العثور عليه محليا.
وتزداد حساسية ملف الأسعار والتوفر عندما يتعلق الأمر بالأدوية المستخدمة في علاج الأمراض الخطيرة، إذ لا يملك المريض في كثير من الحالات هامشا واسعا لتأجيل العلاج أو استبدال الدواء الموصوف له.
ويروي أحد المواطنين تجربة عاشها أثناء علاج زوجته من مرض السرطان، موضحا أنه بحث عن دواء محدد في عدد كبير من الصيدليات دون أن يتمكن من العثور عليه بسهولة. ويضيف أن سعر الدواء في أوروبا كان في حدود 184 يورو، بينما بلغ سعره في المغرب، وفق روايته، نحو 3 آلاف درهم، وهو ما اعتبره فارقا كبيرا بالنسبة إلى أسرة تتحمل أصلا أعباء علاجية مرتفعة.
كما يثير مرضى آخرون مسألة أسعار الأدوية المستخدمة في علاج الأمراض المزمنة، ومنها الروماتيزم، حيث يتطلب العلاج المنتظم اقتناء الدواء لفترات طويلة، ما يجعل أي ارتفاع في التكلفة ينعكس مباشرة على ميزانية الأسرة.
ويكشف الجدل المتصاعد حول أسعار الأدوية أن معالجة الملف لا يمكن أن تعتمد على خفض الأسعار فقط، مهما كانت أهمية هذا الهدف بالنسبة إلى المواطنين. فالسعر المناسب للمريض يجب أن يترافق مع ضمان استمرار الشركات في إنتاج الدواء، وقدرة الموزعين والصيادلة على مواصلة نشاطهم، بما يحافظ في النهاية على توفر العلاج داخل السوق.
ويطرح ذلك الحاجة إلى مقاربة أكثر شمولية لسياسة تسعير الأدوية، تقوم على تحقيق توازن بين القدرة الشرائية للمواطنين، واستدامة تمويل منظومة التغطية الصحية، والجدوى الاقتصادية للصناعة الدوائية، فضلا عن الوضع المالي للصيدليات.
ومع توسع التغطية الصحية في المغرب، يزداد الضغط لإيجاد حلول تضمن وصول المواطنين إلى الأدوية الضرورية بكلفة معقولة، من دون أن تؤدي سياسات التخفيض إلى نتائج عكسية تهدد وفرة بعض المنتجات.
ويبقى التحدي أمام صناع القرار هو الوصول إلى صيغة تجعل الدواء أقل كلفة بالنسبة إلى المواطن، وفي الوقت نفسه تضمن وجوده بشكل مستمر في الصيدليات، لأن خفض السعر يفقد جزءا من قيمته إذا أصبح العلاج أقل توفرا في السوق.




