الاقتصادية

الذهب تحت ضغط التصحيح لكن البنوك المركزية ترسم أرضية قوية للأسعار

دخل الذهب مرحلة جديدة من إعادة تقييم التوقعات، مع اتجاه مؤسسات مالية كبرى إلى خفض تقديراتها للأسعار، في انعكاس لتزايد الضغوط التي تواجه المعدن النفيس بعد موجة صعود تاريخية. ورغم ذلك، لا تبدو النظرة طويلة الأجل قد انقلبت إلى التشاؤم، إذ لا تزال عوامل هيكلية عدة توفر دعماً قوياً للذهب، وعلى رأسها مشتريات البنوك المركزية والتحوط من المخاطر المالية والتضخمية.

وفي أحدث مراجعاته، خفّض بنك إتش إس بي سي متوسط توقعاته لسعر الذهب خلال عام 2026 إلى 4,490 دولاراً للأونصة، مقابل 4,560 دولاراً في تقدير سابق، كما قلّص توقعاته لمتوسط عام 2027 إلى 4,825 دولاراً بدلاً من 4,925 دولاراً.

وتأتي هذه الخطوة بعد مراجعة أخرى أجراها البنك في يوليو الماضي، عندما خفض متوسط توقعاته لعام 2026 من 4,864 دولاراً، بينما تراجعت توقعاته لعام 2027 من 5,000 دولار.

ورغم تكرار خفض التقديرات، فإن نطاق المراجعة الأخيرة لا يعكس تحولاً جذرياً نحو التشاؤم، بقدر ما يشير إلى محاولة من البنك لتهدئة توقعاته بعد الصعود القوي الذي شهده الذهب. فقد بلغ الخفض 70 دولاراً بالنسبة لمتوسط 2026 و100 دولار لتوقعات 2027.

كما ينبغي التمييز بين متوسط السعر السنوي وبين المستهدف السعري في نهاية العام، إذ كان البنك قد حدد في يوليو مستوى 4,750 دولاراً كهدف للذهب في 2026، بما يعكس إمكانية استعادة المعدن جزءاً من زخمه خلال النصف الثاني من العام.

ويرى محللو “إتش إس بي سي” أن الذهب قد يظل تحت ضغط في الأجل القصير، في ظل بيئة اقتصادية ومالية لا تزال غير مواتية بشكل كامل للمعدن الذي لا يدر عائداً.

لكن البنك يتوقع في المقابل أن يشكل مستوى 4,000 دولار للأونصة منطقة دعم قوية، خصوصاً إذا اقتربت الأسعار منه أو تراجعت إلى ما دونه، إذ قد يؤدي ذلك إلى تنشيط عمليات شراء واسعة من جانب البنوك المركزية.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بالنظر إلى الدور الذي لعبته المؤسسات الرسمية في سوق الذهب خلال السنوات الأخيرة. فالبنوك المركزية أصبحت من أبرز مصادر الطلب على المعدن، ومن المرجح أن تستغل أي انخفاضات حادة لتعزيز احتياطياتها، ما قد يحد من عمق أي موجة هبوط.

ولا تكمن المفاجأة الأكبر في تراجع الذهب بحد ذاته، وإنما في قدرته على الاحتفاظ بمستويات مرتفعة نسبياً رغم اجتماع عدد من العوامل التي عادة ما تشكل ضغطاً قوياً على أسعاره.

فالمعدن النفيس دخل عام 2026 بعدما حقق قفزة تاريخية بلغت 64% خلال 2025، وهي أقوى زيادة سنوية له منذ عام 1979، قبل أن يسجل مستوى قياسياً قرب 5,595 دولاراً للأونصة في 29 يناير.

غير أن استمرار أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول أدى لاحقاً إلى فقدان جزء من هذا الزخم. وبعد ارتفاع الذهب بنحو 13% خلال أغسطس إلى حوالي 4,563 دولاراً، عاد المعدن إلى التراجع بنحو 6.6% في سبتمبر.

وبحلول 2 أكتوبر، استقر سعر الذهب الفوري قرب 4,140 دولاراً للأونصة، أي بأكثر من 20% دون قمته القياسية المسجلة في يناير، ما أدخله من الناحية الفنية في نطاق التصحيح الهابط.

ومع ذلك، فإن بقاء الأسعار فوق حاجز 4,100 دولار يلفت انتباه المستثمرين، خصوصاً في ظل ارتفاع عوائد السندات الأمريكية وقوة الدولار.

عادة ما يمثل ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية والدولار الأمريكي مزيجاً صعباً بالنسبة للذهب، نظراً لأن المعدن لا يوفر عائداً دورياً، بينما تصبح الأصول المقومة بالدولار والسندات أكثر جاذبية عندما ترتفع العوائد.

وفي الفترة الأخيرة، ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات إلى مستويات مرتفعة، في الوقت الذي حافظ فيه الدولار على قوته، ما زاد من الضغوط على الذهب ودفع المستثمرين إلى إعادة النظر في حجم مراكزهم في المعدن.

لكن التطورات الاقتصادية الأخيرة أضافت عنصراً جديداً إلى معادلة السوق، بعدما أظهرت بيانات الوظائف لشهر سبتمبر ضعفاً ملحوظاً، مع إضافة الاقتصاد الأمريكي نحو 29 ألف وظيفة فقط، الأمر الذي خفف من احتمالات تشديد السياسة النقدية في الأجل القريب.

وتكشف حركة الذهب الحالية عن صراع واضح بين عاملين متناقضين. فمن جهة، تواجه الأسعار ضغوطاً ناجمة عن ارتفاع عوائد السندات وقوة الدولار وتزايد المخاوف بشأن الأوضاع المالية الأمريكية، فضلاً عن تأثير ارتفاع أسعار الطاقة على التضخم.

ومن جهة أخرى، يواصل الذهب الاستفادة من طلب هيكلي طويل الأجل تقوده البنوك المركزية والمستثمرون الباحثون عن أدوات للتحوط من التضخم والمخاطر المالية والجيوسياسية.

وبذلك يجد المعدن النفيس نفسه أمام اختبار حاسم؛ فبينما تحد الضغوط النقدية والمالية من قدرته على مواصلة الصعود السريع، توفر مشتريات البنوك المركزية والطلب الاستثماري أرضية قد تحول دون انهيار الأسعار.

وفي ضوء هذه المعادلة، تبدو مراجعات “إتش إس بي سي” أقرب إلى خفض لسقف التفاؤل وليس تغييراً جذرياً في النظرة إلى الذهب، خصوصاً مع استمرار الاعتقاد بأن أي تراجع عميق نحو مستوى 4,000 دولار قد يعيد المشترين بقوة إلى السوق.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى