الاحتراق الوظيفي لدى جيل زد: خلل في الجيل أم في بيئة العمل؟

في مرحلة الشباب المبكر، حيث يُفترض أن تكون الحياة المهنية بداية لبناء المستقبل وتحقيق الاستقلالية، يواجه جيل «زد» واقعًا معقدًا يفوق التحديات التقليدية.
فبدلًا من الحماسة والطموح، يجد الشباب أنفسهم مثقلين بالإرهاق النفسي وضغوط مستمرة، ليصبح العمل مصدر قلق وتوتر بدلًا من أمان واستقرار.
الدراسات الحديثة تؤكد أن هذه الظاهرة ليست شعورًا عابرًا، بل أزمة حقيقية تهدد استقرار الشباب في سوق العمل: مستويات الاحتراق الوظيفي بين أبناء هذا الجيل أعلى من أي جيل آخر، ما يسلط الضوء على خلل جوهري في بيئة العمل الحديثة.
الاحتراق الوظيفي يمكن أن يصيب أي موظف، لكنه يصل إلى ذروته بين الشباب. في الولايات المتحدة، أظهر استطلاع شمل ألفي شخص أن ربعهم يعانون من الاحتراق قبل بلوغ الثلاثين. وفي بريطانيا، كشفت دراسة استمرت 18 شهرًا بعد جائحة «كوفيد-19» أن 80% من أبناء جيل «زد» شعروا بالإرهاق النفسي المرتبط بالعمل.
وعالميًا، أظهر مسح شمل أكثر من 13 ألف موظف في 11 دولة أن 83% من العاملين من جيل «زد» يعانون من الاحتراق، مقارنة بـ 75% بين باقي الموظفين.
تشير الدراسات الدولية إلى أن نحو ربع الشباب بين 18 و24 عامًا يعانون من «ضغط غير قابل للإدارة»، فيما أبلغ 98% عن ظهور عرض واحد على الأقل من أعراض الاحتراق الوظيفي.
وفي كندا، أظهر استطلاع أن 51% من أبناء جيل «زد» يشعرون بالاحتراق، وهي نسبة أقل قليلاً من جيل الألفية لكنها أعلى بكثير من جيل الطفرة السكانية والجيل «إكس».
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل مؤشرات تحذيرية على خلل عميق في بيئة العمل. ورغم محاولة البعض تصوير الشباب على أنهم «مشتتون» أو «مطالبون بتوازن مبالغ فيه بين العمل والحياة»، يرى الخبراء أن هذه الظاهرة تمثل جرس إنذار لإعادة النظر في بيئة العمل نفسها.
الاحتراق الوظيفي ينشأ من التناقض بين توقعات الموظف وواقع العمل، ويظهر في صور متعددة: مهام غامضة، عبء عمل يفوق الطاقة، نقص الموارد، أو فجوة بين مهارات الموظف ومتطلبات دوره.
ويمر الاحتراق بثلاث مراحل رئيسية:
الإرهاق المزمن: التعب المستمر وفقدان الطاقة.
التبلّد العاطفي: شعور بالانفصال عن العمل وفقدان الحافز.
تراجع الإحساس بالإنجاز: فقدان الثقة بالنفس وتحول العمل إلى عبء نفسي يومي.
عدة عوامل تزيد من هشاشة هذا الجيل أمام الاحتراق الوظيفي:
الجائحة والتعلم المحدود: دخول الكثير من الشباب سوق العمل أثناء أو بعد جائحة كورونا قلل فرص التعلم غير الرسمي عبر الاحتكاك اليومي بالزملاء.
الضغوط الاقتصادية: تفكك العقد الاجتماعي وتدهور جودة الوظائف قلصا الوعد بأن التعليم الجامعي يضمن وظيفة مستقرة ومجزية، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتوسع فجوة عدم المساواة.
إعادة هيكلة العمل: جداول هجينة، أتمتة المهام، وقلة التوجيه من القادة أدت إلى فقدان الروابط الإنسانية التقليدية في مكان العمل.
مواجهة الاحتراق الوظيفي تبدأ بالاعتراف بالمشكلة وبناء علاقات إنسانية داخل مكان العمل، مثل اللقاء الدوري مع الزملاء أو الاطمئنان عليهم، والتخلي عن وهم أن العمل المفرط يعني أداء أفضل، مع وضع حدود واضحة وتنظيم الوقت.
لكن الحلول الفردية ليست كافية. إذ يجب أن تأتي المبادرات من المؤسسات نفسها، عبر:
توفير مرونة أكبر في أنماط العمل.
دعم الصحة النفسية بشكل فعلي.
وضوح المهام وتوزيع الأعباء بعدالة.
إنشاء برامج تعلم وإرشاد داخلية لتعزيز الفضول والقدرة على التكيف.
إصلاح بيئة العمل بما يناسب جيل «زد» ليس امتيازًا لشريحة معينة، بل فرصة لإعادة إنسانية العمل نفسه، وجعل مكان العمل أكثر عدلًا ودعمًا لجميع الموظفين.




