أبعد من الفوسفاط.. كيف تحول ’كنوز الأطلس‘ المغرب إلى وجهة استثمارية عابرة للقارات؟

في وقت يعيد فيه العالم رسم خارطة سلاسل التوريد هرباً من التعقيدات الجيوسياسية المتفاقمة، يبرز المغرب كوجهة استثمارية “آمنة ومستدامة” قادرة على منافسة الأسواق التقليدية بقوة، حيث لم يعد الرهان المغربي مقتصرًا على ريادته العالمية التاريخية في قطاع الفوسفاط، بل امتد ليشمل ثورة تنقيب شاملة تستهدف “معادن المستقبل”، مدعومة ببنية تحتية لوجستية ضخمة وإصلاحات تشريعية تضعه اليوم في طليعة القارة الإفريقية.
وقد سلط تقرير حديث لمنصة “Discovery Alert” الأسترالية، المتخصصة في تحليلات التعدين، الضوء على هذا التحول الجذري في السياسة المعدنية للمملكة، مؤكداً أن المغرب يقدم اليوم مزيجاً مثالياً بين الاستقرار السياسي والبنية التحتية المتطورة، مما يجعله بديلاً عملياً للمستثمرين الدوليين الذين يبحثون عن تقليص المخاطر التنظيمية واللوجستية، مستفيداً في ذلك من “عبقرية المكان” كجسر استراتيجي يربط بين أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط، وهو ما يمنحه ميزة تنافسية هائلة في خفض تكاليف التصدير والوصول السريع إلى الأسواق النهائية عبر موانئ عالمية جاهزة في طنجة والدار البيضاء وأكادير، دون الحاجة لضخ استثمارات بنيوية ضخمة ترهق كاهل المشاريع الجديدة.
هذا التوجه الاستراتيجي يتجاوز مجرد استغلال الموقع، ليمتد إلى خطة طموحة بحلول عام 2030 تستهدف رفع إيرادات المعادن غير الفوسفاطية إلى نحو 1.4 مليار دولار، بناءً على معطيات جيولوجية كشفت عن كنوز غير مستغلة في سلاسل جبال الأطلس الكبير والصغير، تتنوع ما بين أنظمة نحاسية ضخمة، ورواسب ذهب من الطراز “الأوروجيني”، وتراكيز عالية من الفضة والزنك والرصاص، وهي موارد ظلت بعيدة عن الأضواء بسبب التركيز التاريخي على الفوسفاط الذي يساهم وحده بنحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي.
ولتعبيد الطريق أمام هذه الاستثمارات، لم تكتفِ المملكة بالمؤهلات الطبيعية، بل عززتها بإطار قانوني مرن وشفاف منذ عام 2016 أسهم في تبسيط مساطر الترخيص، وهو ما تجسد مؤخراً في طرح طلبات عروض ضخمة تغطي 13 ألف كيلومتر مربع عبر 361 رخصة استكشاف في منطقتي تافيلالت وفكيك، مع اعتماد منهجية تقييم حديثة تتجاوز العرض المالي الصرف، لتركز على الكفاءة التقنية، والالتزام بمعايير الحكامة البيئية والاجتماعية (ESG)، وإدماج الطاقات المتجددة وتقنيات تدوير المياه، مما يضع المغرب في ريادة الدول التي تتبنى “التعدين المسؤول” المنسجم مع التحولات العالمية في تمويل المشاريع الكبرى.




