الأسواق العالمية أمام اختبار السندات والجغرافيا السياسية.. العريان يرصد 5 ملفات حاسمة

دخلت الأسواق العالمية مرحلة جديدة من التوتر، بعدما كشفت تحركات الأسبوع الماضي عن مفارقة لافتة تمثلت في استمرار صعود الأسهم، رغم القفزة الكبيرة في عوائد السندات الحكومية وارتفاع تكلفة الاقتراض في عدد من الاقتصادات الكبرى إلى مستويات غير مسبوقة منذ سنوات طويلة.
وبحسب قراءة الاقتصادي محمد العريان للأسبوع المنقضي، فإن قوة أسواق الأسهم بدت أكثر وضوحاً في ظل الضغوط التي تعرضت لها أسواق الدخل الثابت، إذ لم تمنع الزيادة الحادة في عوائد السندات المستثمرين من مواصلة الرهان على الأسهم، مدفوعين إلى حد كبير بأداء الشركات ونتائج الأرباح.
في الولايات المتحدة، اتسعت الضغوط على سوق السندات مع ارتفاع عوائد مختلف الآجال الرئيسية، بينما اقترب عائد السندات لأجل عامين من مستويات مرتفعة، ومع ذلك تمكنت مؤشرات الأسهم الأميركية من إنهاء الأسبوع على مكاسب.
ويرى العريان أن هذه الحركة تعكس تحولاً مهماً في سلوك المستثمرين، خصوصاً مع استمرار تدفق رؤوس الأموال الأجنبية نحو الأسهم الأميركية، في مقابل تراجع الاهتمام بالسندات الحكومية.
ويرتبط الإقبال على الأسهم الأميركية، وفق هذه القراءة، بجاذبية قطاع التكنولوجيا، وقدرة الشركات على تحقيق نتائج قوية، إضافة إلى استمرار النشاط الريادي في الاقتصاد الأميركي.
وفي المقابل، تواجه أدوات الدين السيادية تحديات مرتبطة بارتفاع العوائد وتغير توقعات المستثمرين بشأن مسار السياسة النقدية.
لم تقتصر الضغوط على العوامل الاقتصادية، إذ استمرت التطورات الجيوسياسية في التأثير بصورة مباشرة على توجهات الأسواق.
وتراجعت الآمال التي ظهرت في بداية الأسبوع بشأن إمكانية تحقيق تقدم في الاتصالات بين واشنطن وطهران، بعد تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب رفض فيها المقترحات الإيرانية. كما تحدثت تقارير إعلامية عن استعدادات أميركية لاحتمال تنفيذ تحرك عسكري واسع ضد إيران بعد انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.
وفي الجانب الأميركي الصيني، لم تنجح القمة التي حظيت باهتمام واسع في معالجة الخلافات الجوهرية بين أكبر اقتصادين في العالم، رغم ظهور بعض المؤشرات على استمرار الحوار وتسجيل تقدم محدود في عدد من الملفات.
ومن المنتظر أن تظل اللقاءات المرتقبة بين ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ قبل نهاية العام محط أنظار المستثمرين، خصوصاً في ما يتعلق بالتجارة والتكنولوجيا والعلاقات الاقتصادية بين البلدين.
وبالتوازي، كشفت اجتماعات الأمم المتحدة عن تباين متزايد في التصورات بشأن شكل النظام الاقتصادي العالمي. وتدور هذه الرؤى حول استمرار الدور الأميركي مع تركيز أكبر على المصالح الوطنية، وتوسع النموذج الصيني للتعددية، وظهور تحالفات تقودها قوى متوسطة، إلى جانب احتمال استمرار حالة التجزؤ الاقتصادي والجيوسياسي عالمياً.
أما على الصعيد الاقتصادي، فقد أظهرت البيانات الأميركية الأخيرة صورة غير متجانسة، في ظل استمرار النقاش داخل الاحتياطي الفيدرالي حول إمكانية إبقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول.
ويتمثل أحد أبرز مصادر القلق في اتساع الفارق بين المؤشرات الاقتصادية الفعلية ومؤشرات ثقة المستهلكين وتوقعاتهم. فقد تراجع مكون التوقعات في مؤشر جامعة ميشيغان إلى أدنى مستوياته منذ عام 2022، في حين ارتفعت توقعات التضخم لعام واحد من 4% في أغسطس إلى 4.6%.
أما التوقعات التضخمية على المدى الأطول، الممتدة بين خمس وعشر سنوات، فقد استقرت عند 3.4%، بما يعكس استمرار حالة عدم اليقين بشأن مسار الأسعار والسياسة النقدية.
وفي سوق الطاقة، ظل ارتفاع أسعار المنتجات النفطية المكررة، وفي مقدمتها الديزل، من الملفات التي تستحوذ على اهتمام الأسواق وصناع القرار.
وقد أدى ذلك إلى تجدد النقاش بشأن صادرات المنتجات النفطية الأميركية، في وقت عززت فيه الولايات المتحدة موقعها كمصدر رئيسي للطاقة، بينما تمثل الصين أحد أبرز مراكز الطلب العالمي.
في أوروبا، بدأت أوضاع المالية العامة تفرض نفسها بصورة أكبر على الأسواق.
فقد تجاوز الاقتراض الحكومي البريطاني خلال أغسطس التوقعات، بعدما سجل 18.3 مليار جنيه إسترليني، مقارنة بتقديرات بلغت نحو 15.5 مليار جنيه. وتضع هذه الأرقام الحكومة البريطانية أمام تحديات إضافية مع اقتراب موعد تقديم موازنتها.
أما فرنسا، فشهدت أسواق سنداتها اتساعاً في الفارق بين العوائد الفرنسية والألمانية، بالتزامن مع تصاعد النقاش السياسي حول مستقبل المالية العامة وقدرة الحكومة على التعامل مع مستويات الإنفاق والديون.
ووصل الفارق بين السندات الفرنسية والألمانية إلى نحو 110 نقاط أساس، في حين أصبح العائد الإضافي الذي يطلبه المستثمرون على الديون الفرنسية أكبر من نظيره على السندات الإيطالية.
ويشير العريان إلى أن مقارنة المشهد الحالي بفترة أزمة الديون الأوروبية بين عامي 2012 و2014 تظهر حجم التحول الذي طرأ على نظرة الأسواق إلى المخاطر السيادية داخل منطقة اليورو.
وفي ألمانيا، جاءت البيانات الاقتصادية أكثر إيجابية، إذ سجلت القراءة الأولية لمؤشر مديري المشتريات مستوى 53.8، متجاوزة التوقعات ووصلت إلى أعلى مستوياتها في نحو عام.
في اليابان، استمرت العملة المحلية في مواجهة ضغوط البيع، مع وصول الدولار إلى نحو 159 يناً خلال الأسبوع.
وحصل الين على بعض الدعم المؤقت بعدما أعلن وزير الخزانة الأميركي أنه ناقش مع نظيره الياباني أهمية قوة العملة اليابانية. غير أن العريان يرى أن التصريحات الرسمية وحدها قد لا تكون كافية لتغيير الاتجاهات المستمرة في سوق الصرف، ما لم تترافق مع خطوات فعلية على صعيد السياسة الاقتصادية.
وفي أسواق السلع والعملات، أنهى خام برنت الأسبوع عند نحو 104 دولارات للبرميل، بينما أغلق خام غرب تكساس الوسيط قرب 92 دولاراً، في حين بلغ مؤشر الدولار مستوى 101.
خمسة محاور تحت المجهر هذا الأسبوع
مع بداية أسبوع جديد، يرى العريان أن الأسواق ستتحرك تحت تأثير مجموعة من الملفات الرئيسية، في مقدمتها البيانات الاقتصادية والسياسة النقدية والتوترات الجيوسياسية.
1- البيانات الاقتصادية
تترقب الأسواق سلسلة من البيانات الأميركية المهمة، تشمل مؤشر مديري المشتريات الصناعي لمعهد إدارة التوريدات، ومؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي، وبيانات الدخل والإنفاق، وثقة المستهلك، إضافة إلى تقرير الوظائف الشاغرة ودوران العمالة ومراجعات الناتج المحلي الإجمالي.
ويحظى تقرير الوظائف الشهري بأهمية خاصة، مع توقعات بزيادة الوظائف بنحو 90 ألفاً، وارتفاع متوسط الأجور الشهرية 0.3%، بما يعادل نمواً سنوياً قدره 3.2%، بينما يُتوقع أن يستقر معدل البطالة عند 4.1%.
وفي أوروبا، ستركز الأسواق على بيانات التضخم ومؤشرات مديري المشتريات ومستويات الثقة، إلى جانب مؤشرات النشاط الاقتصادي في الصين.
2- رسائل الاحتياطي الفيدرالي
ستحظى تصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي باهتمام كبير، خصوصاً مع استمرار الأسواق في إعادة تقييم توقعاتها لمسار أسعار الفائدة.
وسيبحث المستثمرون عن أي إشارات جديدة بشأن التضخم وسوق العمل ومستقبل السياسة النقدية، بعدما أصبحت تكلفة الاقتراض عاملاً أكثر تأثيراً في تقييم الأصول.
3- التطورات الجيوسياسية وأسواق الطاقة
ستبقى العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران من أبرز مصادر عدم اليقين، لا سيما مع استمرار حالة الجمود في المسار الدبلوماسي.
كما ستراقب أسواق النفط حركة الناقلات عبر مضيق هرمز، إلى جانب مستويات تدفق الخام عبر خطوط الأنابيب الإقليمية، لما لذلك من انعكاسات مباشرة على إمدادات الطاقة العالمية والأسعار.
4- تحركات أسواق السندات
ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل يضع المستثمرين أمام معادلة أكثر تعقيداً، بين الاستفادة من العوائد المرتفعة تاريخياً وتقليص التعرض لفئة أصول كانت تؤدي تقليدياً دور الملاذ الدفاعي خلال فترات اضطراب الأسواق.
وتزداد أهمية هذه المسألة مع استمرار إعادة تسعير المخاطر في أسواق الدخل الثابت.
5- انتقال مخاطر الفائدة إلى الائتمان
يراقب العريان احتمال انتقال الضغوط من سوق أسعار الفائدة إلى سوق الائتمان، خصوصاً مع اقتراب موجة كبيرة من استحقاقات الديون.
ورغم استمرار تماسك أسواق الائتمان حتى الآن، فإن إعادة تمويل الديون في بيئة تتسم بارتفاع تكاليف الاقتراض قد تفرض ضغوطاً إضافية على الشركات والمقترضين، ما يجعل تطورات سوق الائتمان أحد أبرز المؤشرات التي ستحدد اتجاهات الأسواق خلال المرحلة المقبلة.
وبذلك تدخل الأسواق العالمية أسبوعاً جديداً وهي أمام معادلة شديدة التعقيد، تجمع بين عوائد سندات مرتفعة، وتباين في البيانات الاقتصادية، وضغوط على المالية العامة في بعض الاقتصادات الكبرى، إلى جانب مخاطر جيوسياسية متصاعدة.
وفي ظل هذه العوامل المتداخلة، ستتجه الأنظار إلى البيانات الاقتصادية وتصريحات البنوك المركزية وتطورات الطاقة باعتبارها أبرز المحركات المحتملة لتحركات الأصول خلال الأيام المقبلة.




