فنزويلا بين قبضة القوة الأمريكية ومخاطر الانهيار.. بنما القرن الحادي والعشرين؟

مع أولى خيوط الفجر في الثالث من يناير، استيقظ سكان كراكاس على وقع عملية عسكرية دقيقة قلبت العاصمة رأسًا على عقب. طائرات مسيرة أمريكية رصدت الرئيس الفنزويلي “نيكولاس مادورو” لأسابيع، قبل أن تنفذ قوات كوماندوز عملية اعتقال مفاجئة، نقلته على متن طائرة عسكرية إلى نيويورك.
خطوة تعيد فتح التساؤلات حول مستقبل فنزويلا: هل ستصبح نسخة حديثة من بنما تحت الهيمنة الأمريكية، أم أنها على أعتاب أزمة قد تهدد استقرار القارة كلها؟
يصف المحللون السياسيون توقيت العملية بأنه “ديجا فو” جيوسياسي؛ الثالث من يناير، نفس اليوم الذي شهد استسلام “مانويل نورييجا” في بنما عام 1990.
تهم الاتجار بالمخدرات استخدمت كغطاء قانوني لتفكيك النظام، ما مكّن واشنطن من تجاوز حصانة السيادة وتحويل المواجهة السياسية إلى عملية إنفاذ قانونية لرئيس دولة.
الفرق الأكبر بين بنما وفنزويلا هو الحجم. فنزويلا تتجاوز بنما بسبعة أضعاف السكان، وتمتد على مساحة جغرافية شاسعة، ما يجعل السيطرة الأمنية شبه مستحيلة دون وجود عسكري دائم.
غياب قواعد أمريكية ثابتة على الأرض، واعتماد واشنطن على ضربات محدودة، يضع البلاد أمام خطر أن تتحول إلى “مستنقع” استنزافي، وفق تحذيرات خبراء عسكريين.

نجحت العملية الأمريكية في بنما جزئيًا بفضل معارضة منظمة جاهزة لتولي السلطة فور سقوط نورييجا. أما في فنزويلا، فغياب خطة انتقالية واضحة، إلى جانب تصريحات الرئيس الأمريكي التي قللت من دور المعارضة الفنزويلية، يزيد من احتمالية صراع داخلي على السلطة، ويهدد استقرار الدولة في مرحلة ما بعد الاعتقال.
بعض أشكال التدخل الأمريكي خلال العقود الماضية | ||||
العام | الدولة | شكل التدخل الأمريكي | الذريعة المعلنة | النتيجة |
1847 | المكسيك | غزو شامل | نزاعات حدودية | خسارة المكسيك لـ 55% من أراضيها |
1898–1902، 1906–1909، 1917–1922، 1961 | كوبا / بورتو ريكو | دعم عسكري واحتلال وتدخل استخباراتي | دعم كوبا في حرب الاستقلال ضد إسبانيا | احتلال كوبا والسيطرة على بورتو ريكو وخليج جوانتنامو |
1915–1934، 1959 | هايتي | غزو عسكري وتدخل استخباراتي | تثبيت الاستقرار وحماية المصالح بعد الاضطرابات | سيطرة على الجمارك والخزانة والبنك المركزي حتى 1934؛ دعم بقاء الديكتاتور “فرانسوا دوفالييه” لاحتواء الثورة الكوبية |
1964، السبعينيات | البرازيل، تشيلي، الأرجنتين | استعداد عسكري ودعم استخباراتي | مواجهة المقاومة خلال الانقلاب وتصعيد القمع | التمركز قبالة سواحل البرازيل، واضطهاد واغتيال المعارضين في إطار ما عُرف بعملية “كوندور” |
1903–1989 | بنما | دعم الانفصال عن كولومبيا وغزو عسكري مباشر | مكافحة المخدرات وإعادة الديمقراطية | غزو بـ 27 ألف جندي؛ مقتل مدنيين وجنود؛ تنصيب رئيس جديد |
بينما كان هدف بنما ممرًا مائيًا استراتيجيًا، يتصدر النفط المشهد في فنزويلا. الرغبة الأمريكية في السيطرة على الحقول النفطية وإعادة الشركات الأمريكية للعمل تضفي طابعًا اقتصاديًا صارخًا على العملية، ما قد يثير حفيظة القوى الدولية الأخرى مثل الصين وروسيا، التي تملك استثمارات ضخمة في البلاد، ويزيد من صعوبة إعادة تشغيل القطاع النفطي بسرعة وكفاءة.
جرت أحداث بنما في نهاية الحرب الباردة، حيث كانت الهيمنة الأمريكية شبه مطلقة، بينما تجري العملية الفنزويلية في عالم متعدد الأقطاب، وتحت مجهر وسائل التواصل الاجتماعي التي تبث الأحداث مباشرة، ما يرفع الكلفة السياسية والأخلاقية لواشنطن أمام المجتمع الدولي إلى مستويات غير مسبوقة منذ الثمانينيات.
الواقع على الأرض يعقد أي جهود أمريكية لإعادة تشغيل النفط. عصابات التعدين غير القانوني ومرتزقة في مناطق العمق، إلى جانب جيش نظامي ضعيف، يشكلون خطرًا أمنيًا ولوجستيًا كبيرًا.
هذه الجماعات المسلحة قادرة على استهداف خطوط الأنابيب ومنشآت التكرير، وتحويل النفط إلى أداة ضغط سياسي ومالي، ما يجعل الاستثمار الأمريكي محفوفًا بالمخاطر.
تجاوز سيادة فنزويلا قد يدفع دول الجوار مثل كولومبيا والمكسيك إلى إعادة النظر في تحالفاتها الدفاعية، وربما تكوين روابط مع قوى منافسة لأمريكا، ما قد يضعف الهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي. كما قد يؤدي الاضطراب الأمني إلى موجات نزوح جديدة لملايين الفنزويليين، وزيادة الضغوط الاقتصادية على دول الجوار.
مراكز الفكر في بكين وصفت ما يجري بأنه “المونروية الجديدة”، حيث تجاوزت الإدارة الأمريكية عقيدة مونرو التقليدية، إلى ما يُعرف بـ”عقيدة دونرو”، التي تحوّل السياسة الأمريكية من مجرد تحذير للحماية الإقليمية إلى استراتيجية هجومية تستخدم القوة لتحقيق مصالح اقتصادية وأمنية مباشرة.




