جرينلاند تحت المجهر الأمريكي.. ثروات طبيعية أم تحدٍ دبلوماسي؟

في أقصى الشمال، حيث تلتقي الطبيعة البكر بالسياسة العالمية، تتحول الثلوج المتجمدة إلى مسرح للتنافس بين القوى الكبرى.
سكان جرينلاند، الجزيرة الكبرى الواقعة بين المحيط الأطلسي والقطب الشمالي، لم يعد شبح ذوبان الجليد يشكل تهديدًا وحيدًا، بل دخلت المخاطر السياسية على الخط.
“مورغان أنغاجو”، شاب في السابعة والعشرين من عمره يقيم في مدينة إيلوليسات غرب الجزيرة، يرى أن تهديدات واشنطن لا تقل خطورة عن تغير المناخ. في حديثه مع هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، تساءل: هل يمكن أن تصبح جرينلاند هي الهدف القادم للطموحات الأمريكية، بعد فنزويلا؟
جرينلاند، التي يبلغ عدد سكانها نحو 57 ألف نسمة، تتمتع بالحكم شبه الذاتي منذ عام 1979، لكنها لا تزال تحت السيادة الدنماركية، العضو في حلف شمال الأطلسي.
تمتد الجزيرة على أكثر من 800 ألف ميل مربع وتزخر برواسب من المعادن النادرة والعناصر الأرضية الأساسية لتصنيع البطاريات، الطاقات المتجددة، والمعدات العسكرية.
مع ذوبان الجليد، أصبح الوصول إلى هذه الموارد أكثر سهولة، رغم صعوبة البيئة، وارتفاع تكاليف التطوير، ونقص البنية التحتية. وحتى عام 2023، كان العمل التعدين محدودًا جدًا، مع منجميْن فقط قيد التشغيل وعدد قليل من المشاريع تحت الدراسة.
الاهتمام الأمريكي بجرينلاند ليس وليد اليوم؛ فقد امتد تواجده منذ الحرب العالمية الثانية، واستمر خلال الحرب الباردة لضمان مصالح الأمن القومي في المنطقة. ومع فترة رئاسة “ترامب”، عاد الحديث عن الجزيرة بقوة، حيث أعرب عن رغبته في ضمها واستغلال ثرواتها لتقليل الاعتماد على الصين.
وفي هذا الإطار، تدرس الإدارة الأمريكية كل الخيارات، بما في ذلك احتمالية اللجوء إلى القوة العسكرية، وسط تصعيد دبلوماسي يضغط على الدنمارك لقبول المزيد من التعاون الأمريكي.
ردّت الدنمارك بمحاولات لتهدئة التوتر، من خلال تعزيز البنية التحتية الأمنية، تطوير حقوق التعدين، وزيادة الوجود العسكري في الجزيرة. ومع ذلك، لم يلقَ ذلك تجاوبًا كافيًا من واشنطن.
في المقابل، تحاول أوروبا التوسط لتجنب أي صدام، حيث أصدر قادة الدول الأوروبية بيانًا مشتركًا يؤكد سيادة جرينلاند وحق الدنمارك في إدارة شؤونها، محذرين من أن أي تحرك أحادي من الولايات المتحدة قد يزعزع استقرار حلف الناتو ويهدد القواعد الديمقراطية الدولية.
بينما تتابع الجزيرة تحركات البيت الأبيض بقلق، يبقى السؤال المركزي: هل ستصبح جرينلاند ساحة صراع بين القوى العالمية، أم سينجح التحالف الدولي في حماية سيادتها؟
مع تصاعد التوترات، تتحول ثرواتها المعدنية والموارد الطبيعية إلى محور نزاع محتمل، لتظل الجزيرة الكبرى، رغم صغر سكانها، حجر زاوية في رسم خارطة النفوذ العالمي القادمة.




