الاقتصادية

بين المخدرات والنفط: واشنطن تستهدف ثروة فنزويلا الاستراتيجية

في قلب أمريكا اللاتينية، غالبًا ما تكون التهم المعلنة مجرد ستار لأهداف استراتيجية أكبر. التاريخ يثبت ذلك: ففي خمسينيات القرن الماضي، وُضعت غواتيمالا تحت طائلة اتهامات بالخطر الشيوعي، بينما كان الهدف الحقيقي حماية مصالح الشركات الأمريكية الزراعية.

اليوم، تتكرر اللعبة نفسها في فنزويلا، لكن بصيغة جديدة؛ حيث تتصدر تهم تهريب المخدرات العناوين، في حين تبقى السيطرة على النفط الهدف الأبرز خلف الكواليس.

رغم أن الاعتقالات الأمريكية للرئيس الفنزويلي “نيكولاس مادورو” ارتبطت بتهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة، إلا أن تحركات واشنطن اللاحقة تكشف أن النفوذ على قطاع الطاقة هو الهدف الحقيقي. فور الاعتقال، تصاعد الحديث في الأوساط السياسية والاقتصادية الأمريكية حول الحاجة للسيطرة على صناعة النفط الفنزويلية الضخمة.

تقدر احتياطيات فنزويلا النفطية بنحو 303 مليارات برميل، مما يجعلها دولة محورية في سوق النفط العالمي. وفي أعقاب اعتقال مادورو، صرّح الرئيس الأمريكي السابق “ترامب” بأن الإجراءات تهدف جزئيًا للسيطرة على هذا المورد الحيوي، وهو ما يعكس الاهتمام الأمريكي العميق بالثروات الطبيعية للبلاد.

البيانات المتاحة تكشف عن استراتيجية واشنطن، التي تشمل تخفيف العقوبات عن قطاع الطاقة، وتشجيع الشركات على ضخ استثمارات كبيرة لتعزيز الإنتاج وتحديث البنية التحتية، مع وضع رقابة على عمليات بيع النفط لضمان السيطرة على العائدات.

أكدت وزارة الطاقة الأمريكية أن جميع مبيعات النفط الفنزويلي ستتم عبر قنوات معتمدة أمريكيًا، وأن العائدات ستودع في حسابات خاضعة لرقابة واشنطن لدى بنوك دولية كبرى، ما يمنح الولايات المتحدة نفوذًا غير مسبوق على تدفقات الخام الفنزويلي وأرباحه المالية.

في إطار هذه الخطة، كثفت واشنطن عملياتها البحرية في الكاريبي، مستهدفة عددًا من ناقلات النفط الخاضعة للعقوبات، واصفة إياها بأنها جزء من “أسطول الظل” الذي يُستخدم لتهريب النفط لصالح فنزويلا وروسيا وإيران، مما يعكس أبعاد الخطة الأمريكية لتأمين النفوذ في المنطقة.

أعلنت وزارة الطاقة الأمريكية عن تعاونها مع كبرى شركات التسويق لبدء بيع النفط الفنزويلي عالميًا، بكمية أولية تتراوح بين 30 و50 مليون برميل، في مؤشر واضح على الانطلاق الفعلي للخطة الأمريكية.

في خطوة مثيرة للجدل، أعلن ترامب أن عوائد النفط الفنزويلي ستُستخدم لشراء منتجات أمريكية الصنع، في ظل ضغوط على الرئيسة المؤقتة “ديلسي رودريغيز” لتعزيز العلاقات الاقتصادية مع واشنطن، ما يعكس تحكم الولايات المتحدة بالسياسات الاقتصادية لفنزويلا دون الاعتماد على النقد المباشر.

صحيفة “الجارديان” أشارت إلى أن الولايات المتحدة أصبحت تسيطر عمليًا على احتياطيات النفط في نصف الكرة الغربي، ما يمنحها أداة إضافية لتعزيز نفوذها في السوق العالمية، وحتى التأثير على الأسعار، بما قد يساهم في خفض سعر البرميل إلى نحو 50 دولارًا.

رغم الطموحات الأمريكية، يبقى الاستقرار السياسي في فنزويلا عاملًا حاسمًا. الشركات العالمية متحفظة على ضخ استثمارات كبيرة دون ضمانات قانونية طويلة الأمد، ما يجعل نجاح الاستراتيجية الأمريكية مرتبطًا بتطورات سياسية واقتصادية مستقبلية.

تشير تحليلات شركة “وود ماكينزي” إلى إمكانية زيادة الإنتاج سريعًا مع دعم مالي وتحسين إدارة القطاع، لكن التوسع الحقيقي يتطلب استثمارات بمليارات الدولارات وقد يمتد لسنوات، مما قد يجعل بعض الشركات تتردد في المضي قدمًا.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى