الاقتصادية

التقليد لا يكفي: لماذا فشل مستثمرو الظل في تكرار نجاح كبار المستثمرين

في عالم المال، يبدو أن تقليد كبار المستثمرين هو الطريق السهل لتحقيق الثروة، لكن الواقع يثبت العكس. على مدى عقود، استطاع وارين بافيت أن يحقق متوسط أرباح سنوية يبلغ 19.4%، متفوقًا بشكل واضح على مؤشر “ستاندرد آند بورز 500” الذي سجل 10.4% فقط خلال نفس الفترة.

هذا النجاح الباهر دفع الكثيرين إلى محاولة استنساخ خطواته الاستثمارية أو الاقتداء بمستثمرين آخرين مشهورين، على أمل الوصول إلى نفس النتائج.

لكن التجربة العملية تظهر أن اتباع أثر المستثمرين الكبار ليس ضمانًا للربح، بل قد يتحول إلى فخّ يُكبد المقلدين خسائر غير متوقعة.

أحد أبرز التحديات يكمن في توقيت الدخول والخروج من السوق. فعلى سبيل المثال، عندما استثمر بافيت في أسهم شركة شيفرون في الربع الأول من 2023، لم يُعرف ذلك إلا بعد الإفصاح ربع السنوي.

ومع اندفاع المستثمرين المقلدين إلى شراء السهم، ارتفع بنسبة 10% خلال شهرين، لكن هذا الارتفاع لم يدم، إذ انخفض السهم لاحقًا بنسبة 8% خلال ستة أشهر، نتيجة قرارات كبار المستثمرين بالبيع لاستغلال ارتفاع الأسعار.

هنا يظهر الفرق بين المستثمر طويل الأمد والمقلد: الأخير غالبًا ما يدخل عند ذروة مؤقتة ويخرج أثناء الهبوط، محققًا خسائر بدلاً من أرباح.

إضافة إلى ذلك، كثير من المستثمرين المقلدين يفتقرون إلى فهم الأسباب الحقيقية وراء استثمارات كبار المستثمرين.

فاستثمار بافيت في شيفرون كان قائمًا على توزيع أرباح منتظم ونمو مستدام طويل الأجل، ما يجعل السهم مناسبًا للمستثمرين الذين يعتمدون استراتيجيات طويلة المدى، بينما ركز المقلدون على المكاسب قصيرة الأجل، ما كلفهم خسائر عند تراجع الإيرادات في الربع الثالث من 2023.

المخاطر لا تقتصر على المقلدين التقليديين. فالمستثمر المعروف كارل إيكان حقق متوسط أرباح سنوية بلغ 31%، لكنه اعتمد استراتيجيات عالية المخاطر، شملت إعادة هيكلة الشركات وتغيير إدارتها بالكامل.

وحتى إيكان نفسه تكبد خسائر فادحة بلغت 9 مليارات دولار من رهانات على انخفاض السوق بين 2017 و2023، مما يوضح أن محاكاة المستثمرين الكبار في مواقف محفوفة بالمخاطر قد تكون كارثية.

كما أن كبار المستثمرين غالبًا ما يمتلكون أصولًا متنوعة تشمل العقارات والسندات والاستثمارات المباشرة، ما يجعل الأسهم جزءًا من محفظة أوسع، بينما يقلدها المستثمر الفردي بمعزل عن هذا التنويع، مما يزيد المخاطر بشكل كبير.

تجربة بيل ميلر تقدم درسًا واضحًا: بين 1991 و2005، حقق ميلر متوسط أرباح سنوية 16.5%، ما دفع العديد من المستثمرين لاتباع محفظته.

لكن الأزمة المالية العالمية قلبت الموازين، فانخفضت استثماراته بنسبة 55% بينما تراجع السوق بنسبة 37% فقط، نتيجة تركيزه على القطاع المالي الأكثر تضررًا.

تجارب بافيت، إيكان، وميلر توضح درسًا أساسيًا: استلهام استراتيجيات المستثمرين الكبار أفضل من تقليد محفظتهم حرفيًا.

التركيز على أسهم النمو المستقرة، توزيع الأرباح، إدارة المخاطر، والالتزام برؤية طويلة الأمد، يمكن أن يكون مفيدًا، بينما محاكاة كل خطوة من خطوات المستثمر الناجح غالبًا ما تؤدي إلى خيبة أمل وخسائر غير متوقعة.

باختصار، التقليد وحده لا يكفي، والفهم العميق للسوق واستراتيجياته هو الطريق الحقيقي لتحقيق أرباح مستدامة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى