الأخبارالاقتصادية

آلاف المتابعين ولا أحد قريب.. الوجه الآخر للحياة على مواقع التواصل

في الوقت الذي أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي جزءاً لا ينفصل عن الحياة اليومية للشباب، تبرز مفارقة لافتة تتمثل في اتساع دائرة التواصل الافتراضي بالتزامن مع استمرار الشعور بالوحدة لدى شريحة واسعة منهم. فالهاتف الذي يتيح للمستخدم البقاء على اتصال دائم بمحيطه قد يتحول أحياناً إلى مصدر للمقارنة والقلق والشعور بأنه خارج دائرة الأحداث.

وتعكس الأرقام الدولية اتساع هذه الظاهرة، إذ تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو شخص واحد من كل ستة أشخاص في العالم يعاني من الشعور بالوحدة، بينما ترتفع النسبة لدى الشباب لتصل إلى حوالي 21 في المائة. وتضع هذه المعطيات الوحدة ضمن القضايا الاجتماعية المتزايدة الأهمية، خصوصاً في ظل التحولات التي طرأت على طبيعة العلاقات الإنسانية خلال السنوات الأخيرة.

وفي المغرب، تناولت دراسة علمية حديثة هذه الإشكالية من زاوية العلاقة بين استخدام منصات التواصل الاجتماعي والمؤشرات المرتبطة بالصحة النفسية لدى المراهقين والشباب. وشملت الدراسة، التي نشرت في مجلة «Scientific Reports» في فبراير 2026، ما مجموعه 2202 مشاركاً تتراوح أعمارهم بين 14 و23 عاماً.

وأظهرت نتائج البحث أن 25.5 في المائة من المشاركين استوفوا معايير الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل الاجتماعي، فيما سجل الباحثون ارتباطاً بين هذا الاستخدام ومؤشرات الضيق النفسي، إلى جانب بروز ظاهرة «الخوف من تفويت التجارب» المعروفة اختصاراً بـFoMO.

وتتمثل هذه الظاهرة في شعور متواصل بأن الآخرين يعيشون تجارب أو لحظات مهمة من دون مشاركة الشخص فيها، وهو ما قد يدفعه إلى تفقد حساباته ومنصاته باستمرار، ومتابعة ما ينشره الآخرون بحثاً عن أي حدث أو معلومة قد يكون قد فاته.

وتلعب طبيعة المحتوى الرقمي دوراً في تعزيز هذا الشعور، خصوصاً مع التدفق المستمر للصور والمنشورات التي تعرض جوانب منتقاة من حياة الآخرين. فالرحلات، والنجاحات المهنية أو الدراسية، والمناسبات الاجتماعية والعلاقات الشخصية تظهر أمام المستخدم في صورة متواصلة، ما قد يجعله يدخل في دائرة من المقارنة ومراقبة حياة الآخرين بدلاً من الاكتفاء بالتواصل معهم.

ومع ذلك، لا تثبت الدراسة المغربية أن الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل الاجتماعي يتسبب بصورة مباشرة في الوحدة أو الاضطرابات النفسية. فطبيعة الدراسة المقطعية لا تسمح بإثبات علاقة سببية بين هذه العوامل، لكنها تكشف عن وجود ارتباط واضح بين الاستخدام الإشكالي للمنصات والضيق النفسي والخوف من تفويت التجارب.

وتدفع هذه النتائج إلى توسيع النقاش حول علاقة الشباب بالعالم الرقمي، بعيداً عن اختزال المسألة في عدد الساعات التي يقضونها أمام شاشات الهواتف. فالأهم قد يكون نوعية التفاعل الذي توفره هذه المنصات، وما إذا كان قادراً على منح المستخدم إحساساً حقيقياً بالدعم والقرب والانتماء.

فوجود مئات جهات الاتصال أو المشاركة في عشرات المجموعات والمحادثات لا يعني بالضرورة امتلاك شبكة اجتماعية قادرة على تقديم الدعم عند الحاجة. وقد يجد الفرد نفسه محاطاً بإشعارات ورسائل طوال اليوم، لكنه يفتقر في المقابل إلى علاقة إنسانية عميقة يمكن اللجوء إليها خارج الفضاء الافتراضي.

وهنا تبرز إحدى أبرز مفارقات الحياة الرقمية الحديثة: التكنولوجيا جعلت الوصول إلى الآخرين أسرع وأسهل، لكنها لا تضمن بالضرورة بناء علاقات عميقة ومستقرة. فالتواصل المستمر عبر الشاشة يظل مختلفاً عن الحضور الإنساني المباشر، وعن العلاقات التي تقوم على الثقة والمساندة والمشاركة الفعلية في تفاصيل الحياة.

ومن ثم، فإن فهم ظاهرة الوحدة لدى الشباب يتطلب النظر إلى جودة العلاقات وليس فقط إلى عددها. فالشعور بالوحدة قد يظهر عندما يشعر الإنسان بوجود فجوة بين الروابط الاجتماعية التي يمتلكها وبين مستوى القرب والدعم الذي يحتاج إليه فعلياً.

وبينما يستمر العالم الرقمي في توسيع إمكانات التواصل، يبدو التحدي أمام الأجيال الشابة أكثر ارتباطاً بكيفية تحقيق التوازن بين الحضور الافتراضي والعلاقات الواقعية، بحيث لا يتحول الاتصال الدائم إلى بديل عن التواصل الإنساني الذي يمنح العلاقات معناها وعمقها.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى