الاقتصادية

فنزويلا تتهاوى: سقوط مادورو يكشف هشاشة الدولة أمام الضغط الخارجي

لم تكن نهاية نيكولاس مادورو مفاجئة بالنسبة للمراقبين الدوليين، بل نتيجة تراكم سنوات من الإهمال والفساد، التي جعلت فنزويلا دولة هشّة رغم ثروتها النفطية. العملية العسكرية الأمريكية التي أسفرت عن اعتقاله بسهولة نسبية لم تكن مجرد ضربة تكتيكية، بل انعكاسًا لفشل مؤسسات الدولة كلها أمام تحديات الإدارة السيئة والضغوط الخارجية.

على مدار سنوات، حكم مادورو كإمبراطور مختال، منغمسًا في حياة مترفة، ومتجاهلًا انهيار البنية التحتية ونقص التمويل في الجيش وانحدار الاقتصاد. حتى الاحتجاجات الشعبية ونقص الغذاء والدواء لم يوقفوه عن استعراض قوته أمام العامة، بما في ذلك رقصه المتكرر في المناسبات العامة لمحاولة إظهار الصمود أمام الضغوط الأمريكية.

في الأشهر الأخيرة، كثفت واشنطن الضغط على مادورو وفنزويلا، من خلال حصار بحري، وملاحقة ناقلات النفط، واستهداف ما وصفته بـ”سفن المخدرات”، ضمن استراتيجية تهدف إلى إضعاف الموارد المالية لدعم أي مجهود حربي أو سياسي من جانب الحكومة الفنزويلية.

في المقابل، حاول مادورو تصوير نفسه كرئيس مسالم، متباهياً بالرقص والخطابات الرنانة، في مسعى لتأكيد موقفه أمام الشعب ومواجهة ما اعتبره تهديدًا استراتيجيًا من الولايات المتحدة.

في 3 يناير، انطلقت العملية العسكرية تحت اسم “العزم المطلق”، بمشاركة نحو 150 طائرة، وتمكنت القوات الأمريكية من السيطرة على سماء كاراكاس بسرعة ودقة، مع أضرار طفيفة لمروحياتها.

تكبد حرس مادورو خسائر فادحة تجاوزت 50 قتيلًا، بينهم عسكريون كوبيون وفنزويليون، إضافة إلى مدنيين، فيما اقتحمت فرقة “دلتا” مقر مادورو واعتقلته وزوجته خلال أقل من ساعتين ونصف، دون مواجهة حقيقية.

الانهيار لم يكن مجرد نتيجة للعملية العسكرية، بل انعكاس لعقود من الإهمال الإداري، ضعف الجيش، وتراجع الإنفاق العسكري من 6.2 مليار دولار عند توليه السلطة إلى 4 مليارات دولار في 2023، إلى جانب فساد واسع وغياب مؤسسات الدولة الفاعلة.

استعراض مادورو للرقص أمام العامة كان رمزًا لعقود من الكذب الذاتي والاعتماد على طاعة محيطه، ما كشف هشاشة بلاده قبل انهيار حكمه الشخصي.

بعد اعتقاله، خرجت جالية فنزويلية في دورال بفلوريدا للاحتفال، معتبرة العملية انتصارًا للولايات المتحدة.

مادورو يواجه الآن فترة احتجاز طويلة، بينما تسعى واشنطن للاستفادة من النفط الفنزويلي وإعادة هيكلة الاقتصاد المتعثر، ما قد يمنح البلاد فرصة للنهوض بعد سنوات من الانهيار الداخلي والفساد المستشري.

سقوط مادورو ليس مجرد نتيجة قوة عسكرية خارجية، بل انعكاس لفشل طويل الأمد لمؤسسات الدولة وعدم قدرة الحاكم على مواجهة الواقع. هشاشة المؤسسات، الإهمال الإداري، وغياب الرؤية الاستراتيجية جعلت سقوطه سريعًا وحتميًا، وفتحت الباب أمام الولايات المتحدة للسيطرة على مفاصل الاقتصاد والسياسة في فنزويلا، بعد أن انكشف ظهر الدولة قبل سقوط الحاكم نفسه.

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى