تقرير دولي: المغرب يتقدم اقتصادياً لكنه يواجه تحديات كبرى في التعليم والصحة

أظهر تقرير “مؤشر الازدهار العالمي 2026” الصادر عن معهد “ليغاتوم” الدولي أن المغرب يواصل تسجيل حضور متزايد ضمن خارطة الدول الصاعدة، مستفيداً من تحسن أدائه في مجالات الاقتصاد وبيئة الاستثمار والبنيات التحتية، غير أن الطريق نحو تحقيق ازدهار شامل ما زال مرتبطاً بقدرته على معالجة اختلالات عميقة في قطاعات اجتماعية أساسية، وعلى رأسها التعليم والصحة ومستوى المعيشة.
وحل المغرب في المرتبة 76 عالمياً من أصل 161 دولة شملها التقرير، الذي اعتمد على تحليل أكثر من 130 مؤشراً فرعياً لقياس مستويات الرفاه والتنمية والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. ورغم أن هذا التصنيف يضع المملكة ضمن الدول ذات الأداء المتوسط المتقدم، فإن قراءة تفاصيل المؤشرات تكشف استمرار وجود فجوة بين التطور الاقتصادي والتحسن الاجتماعي.
وسجل المغرب أداءً إيجابياً في مجال الحرية الاقتصادية، حيث احتل المرتبة 54 عالمياً، في مؤشر يعكس التطورات التي عرفتها بيئة الأعمال، وتسهيل الاستثمار، وتعزيز جاذبية الاقتصاد الوطني أمام الفاعلين المحليين والدوليين.
في المقابل، كشفت بيانات التقرير عن استمرار ضعف بعض المؤشرات المرتبطة بجودة الحياة اليومية للمواطنين، إذ جاء المغرب في المرتبة 122 عالمياً في مؤشر التعليم، بينما احتل المرتبة 104 في مستوى المعيشة، و80 في قطاع الصحة، وهي نتائج تؤكد أن التنمية الاقتصادية لم تنعكس بعد بالشكل الكافي على الرأسمال البشري والخدمات الاجتماعية.
وأشار التقرير إلى أن تحديات التعليم وتطوير المهارات تمثل أحد أبرز العوامل التي تحد من قدرة المغرب على تحسين موقعه في سلم الازدهار العالمي، موضحاً أن تعزيز الاستثمار في الإنسان يبقى ضرورياً لتحويل المكاسب الاقتصادية إلى رفاه اجتماعي مستدام.
كما لفت المؤشر إلى وجود تحديات مرتبطة بالمجال البيئي، إضافة إلى الحاجة إلى تقوية القدرات البشرية، باعتبارهما عنصرين أساسيين لتحقيق تنمية طويلة الأمد قادرة على تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
وعلى مستوى الحريات والحكامة، جاء المغرب في المرتبة 86 ضمن مؤشر السلم المدني، في حين احتل المرتبة 108 في مؤشر حرية التعبير عن الرأي المخالف، ما يعكس استمرار النقاش حول ضرورة تطوير المجال الحقوقي والمؤسساتي بالتوازي مع الدينامية الاقتصادية التي تعرفها المملكة.
ورغم هذه التحديات، سجل التقرير نقاط قوة مهمة للمغرب، خاصة في مؤشر تماسك المجتمع، حيث احتلت الأسر المغربية المرتبة 36 عالمياً من حيث النزاهة والترابط الاجتماعي، ما يعكس استمرار دور الأسرة كعنصر أساسي في شبكة الحماية الاجتماعية.
كما جاءت نزاهة المجتمع المغربي في المرتبة 56 عالمياً، ونزاهة الدولة في المرتبة 75، بينما سجلت المجتمعات المحلية ترتيباً أقل نسبياً بحلولها في المرتبة 94 عالمياً.
وعلى الصعيد العالمي، واصلت الدول الأوروبية تصدر مؤشر الازدهار، حيث احتلت سويسرا المركز الأول عالمياً لعام 2026، متبوعة بكل من النرويج، أيرلندا، الدنمارك، وفنلندا. كما ضمت قائمة الدول العشر الأولى كلاً من أيسلندا، السويد، ألمانيا، أستراليا، وهولندا.
في الجانب الآخر من الترتيب، تركزت الدول الأقل ازدهاراً في مناطق تعاني من أزمات سياسية واقتصادية وأمنية، حيث جاءت إريتريا في المركز الأخير، تلتها النيجر، تشاد، وجمهورية إفريقيا الوسطى، إضافة إلى دول تواجه نزاعات واضطرابات حادة مثل الصومال وأفغانستان والسودان وجنوب السودان.
ويبرز تقرير “ليغاتوم 2026” أن التحدي الأكبر أمام المغرب خلال المرحلة المقبلة لا يرتبط فقط بمواصلة جذب الاستثمارات وتطوير البنية التحتية، بل بقدرته على بناء نموذج تنموي يجعل المواطن محوراً أساسياً للتقدم. فرفع جودة التعليم، وتحسين الخدمات الصحية، وتعزيز القدرة الشرائية، تظل عوامل حاسمة للانتقال من النمو الاقتصادي إلى الازدهار الحقيقي.




