المغرب ضمن دراسة دولية تبحث تأثير الأمن السيبراني على استمرارية التعليم الجامعي

لم تعد المخاطر الرقمية تقتصر على تعطيل الخدمات الإلكترونية أو تهديد البيانات، بل باتت تمتد إلى صميم العملية التعليمية داخل الجامعات، في ظل الاعتماد المتزايد على المنصات الرقمية في التدريس والامتحانات والتواصل الأكاديمي. وفي هذا السياق، تناولت مراجعة علمية حديثة مدى تأثير الحوادث السيبرانية على استمرارية التعلم في مؤسسات التعليم العالي بعدد من الاقتصادات النامية والصاعدة، من بينها المغرب.
الدراسة، المنشورة في مجلة «Discover Education»، استندت إلى تحليل 24 بحثاً ووثيقة علمية صدرت خلال الفترة الممتدة من 2014 إلى 2025، بهدف تحديد طبيعة التهديدات الإلكترونية التي تواجه مؤسسات التعليم العالي، وفهم الانعكاسات التي يمكن أن تترتب عنها على مختلف جوانب العملية التعليمية.
وأبرزت نتائج المراجعة حضوراً لافتاً للتأثيرات التعليمية المرتبطة بالحوادث السيبرانية، إذ صنفت 12 مادة علمية من أصل 24 التأثير التعليمي لهذه الحوادث ضمن مستوى مرتفع، بينما أشارت 15 دراسة إلى اضطراب أو تعطل جزء من أنشطة التدريس نتيجة الحوادث التي تناولتها. في المقابل، لم تتناول سوى أربع دراسات مسألة اختلاف حجم التأثير بين فئات الطلبة.
ولا ينبغي قراءة هذه الأرقام باعتبارها مؤشرات على نسبة الجامعات التي تعرضت لهجمات إلكترونية، أو على عدد الطلبة الذين توقفت دراستهم بسبب تلك الهجمات، إذ تعكس هذه الأعداد توزيع الموضوعات والنتائج داخل العينة العلمية التي قامت المراجعة بتحليلها، وليس إحصاءً شاملاً للحوادث السيبرانية التي شهدتها مؤسسات التعليم العالي.
كما أن ورود المغرب ضمن نطاق البلدان التي تناولتها المراجعة لا يوفر، في حد ذاته، معطيات وطنية حول عدد الهجمات الإلكترونية التي استهدفت الجامعات أو حجم الاضطرابات التعليمية الناتجة عنها. ولا تسمح نتائج الدراسة بإثبات علاقة سببية مباشرة بين كل حادث سيبراني وبين توقف الدروس أو الامتحانات في مؤسسة جامعية محددة.
وتأتي أهمية هذه المعطيات في وقت أصبحت فيه البنية الرقمية جزءاً أساسياً من تسيير الحياة الجامعية، بدءاً من التسجيل والخدمات الإدارية، مروراً بالدروس والمنصات التعليمية، وصولاً إلى الاختبارات والتواصل بين الأساتذة والطلبة. وهو ما يجعل أي اضطراب يصيب هذه الأنظمة قابلاً للتأثير في سير بعض الأنشطة الأكاديمية، بحسب طبيعة الخدمة المتضررة ومدى اعتماد المؤسسة عليها.
وبالنسبة إلى المغرب، يظل تحديد حجم هذه الإشكالية بدقة مرتبطاً بتوفر بيانات محلية أكثر شمولاً، تتضمن عدد الحوادث المسجلة، وطبيعتها، ومدد انقطاع الخدمات، والأنظمة المتضررة، ومدى انعكاسها على المحاضرات والاختبارات والخدمات الإدارية، إضافة إلى الإجراءات التي اتخذتها المؤسسات لاستعادة الأنظمة وضمان استمرارية الدراسة.
وتزداد حساسية هذه المسألة خلال فترات الامتحانات، حيث يمكن لأي توقف في منصة رقمية تعتمد عليها المؤسسة لإجراء الاختبارات أو إعلان النتائج أو التواصل مع الطلبة أن يؤدي إلى اضطراب في بعض العمليات الأكاديمية. غير أن حجم التأثير يظل مرتبطاً بمدة الانقطاع، وطبيعة الخدمة المتوقفة، ومدى توفر حلول بديلة داخل المؤسسة.
وفي الوقت نفسه، تشدد القراءة الدقيقة لهذه المسألة على ضرورة عدم الخلط بين الحوادث السيبرانية والأعطال التقنية. فتوقف منصة جامعية أو انقطاع خدمة إلكترونية لا يمثل دليلاً بحد ذاته على وقوع هجوم إلكتروني، إذ يمكن أن تكون وراءه أسباب أخرى، مثل انقطاع الكهرباء، أو مشاكل الاتصال بالإنترنت، أو أعطال الخوادم، أو أخطاء البرمجيات والأنظمة.
ومن هنا، فإن تقييم مستوى المخاطر السيبرانية التي تواجه التعليم العالي بالمغرب يتطلب اعتماد آليات دقيقة لتوثيق الحوادث، مع الفصل بين الهجمات المؤكدة والأعطال التقنية، وتحديد مدة كل حادث والخدمات التي تأثرت به، فضلاً عن رصد عدد المستخدمين المتضررين وطبيعة التدابير التي تم اتخاذها لإعادة الخدمات إلى وضعها الطبيعي.
ويبرز بذلك أن التحول الرقمي في قطاع التعليم العالي لا يرتبط فقط بتوسيع استخدام التكنولوجيا وتطوير المنصات الإلكترونية، وإنما يتطلب أيضاً تعزيز خطط استمرارية الخدمات والاستجابة للحوادث، بما يقلل من احتمال انتقال آثار أي خلل رقمي من مستوى تقني محدود إلى اضطراب يمس المسار الدراسي للطلبة.




