CXMT تشعل سباق الرقائق.. كيف تحولت شركة صينية ناشئة إلى عملاق بقيمة 487 مليار دولار؟

في واحدة من أبرز المفاجآت التي شهدها قطاع التكنولوجيا خلال السنوات الأخيرة، نجحت شركة صينية متخصصة في صناعة أشباه الموصلات في تحقيق قفزة تاريخية جعلتها تتجاوز قيمة أكبر المؤسسات المالية في العالم خلال ساعات قليلة فقط.
فقد سجلت شركة “تشانغشين ميموري تكنولوجيز” (CXMT) دخولًا استثنائيًا إلى بورصة شنغهاي، بعدما ارتفع سهمها بنحو 470% في أول يوم تداول، لترتفع قيمتها السوقية إلى ما يقارب 3.3 تريليون يوان (نحو 487 مليار دولار).
ولا يعكس هذا الصعود مجرد نجاح اكتتاب عام، بل يمثل محطة جديدة في المنافسة التكنولوجية بين الصين والولايات المتحدة، في ظل مساعي بكين لبناء صناعة رقائق مستقلة وتقليل اعتمادها على الموردين الغربيين في قطاع يعد من أكثر القطاعات استراتيجية في الاقتصاد العالمي.
خلال أقل من عشر سنوات، انتقلت “سي إكس إم تي” من شركة صينية ناشئة إلى واحدة من أهم الأسماء في صناعة الذاكرة الإلكترونية عالميًا.
وتعد الشركة أكبر منتج صيني لرقائق الذاكرة العشوائية الديناميكية (DRAM)، وهي مكونات أساسية تدخل في صناعة الهواتف الذكية، وأجهزة الحاسوب، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وأدت هذه القفزة إلى ارتفاع القيمة السوقية للشركة إلى مستويات تجاوزت قيمة البنك الصناعي والتجاري الصيني، أحد أكبر البنوك في العالم من حيث الأصول.
هذا الأداء يعكس حجم الرهان الذي يضعه المستثمرون على مستقبل صناعة الرقائق الصينية، خصوصًا مع تصاعد الطلب العالمي على مكونات الذكاء الاصطناعي.
جمعت “سي إكس إم تي” من خلال طرحها العام الأولي نحو 57.92 مليار يوان (8.6 مليار دولار)، ليصبح أكبر اكتتاب عام في آسيا منذ بداية العام الجاري.
وتعتزم الشركة توجيه هذه الأموال نحو توسيع قدراتها الإنتاجية، وتعزيز استثماراتها في البحث والتطوير، وتسريع عمليات تطوير تقنيات الذاكرة المتقدمة.
شهد الاكتتاب إقبالًا غير مسبوق من المستثمرين الأفراد، إذ بلغت قيمة الطلبات المقدمة نحو 7.07 تريليون يوان عبر أكثر من 9.4 مليون طلب.
كما أن محدودية الأسهم المتاحة للتداول الحر، والتي لم تتجاوز 6.73% من إجمالي أسهم الشركة، ساهمت في زيادة الضغط الشرائي ورفع قيمة السهم بشكل كبير.
وتجاوز حجم الطلبات الفردية الأسهم المطروحة بنحو 212 مرة، في مؤشر واضح على شهية المستثمرين تجاه شركات التكنولوجيا المرتبطة بالأمن الصناعي الصيني.
استفادت “سي إكس إم تي” بشكل كبير من الطفرة العالمية في قطاع الذكاء الاصطناعي، والتي رفعت الطلب على رقائق الذاكرة المستخدمة في مراكز البيانات والحوسبة المتقدمة.
وارتفعت إيرادات الشركة خلال الربع الأول بنسبة 719% على أساس سنوي لتصل إلى 50.8 مليار يوان (7.51 مليار دولار).
كما تحولت الشركة إلى تحقيق أرباح تشغيلية بقيمة 35.43 مليار يوان خلال الفترة نفسها، مقارنة بخسارة تشغيلية بلغت 2.83 مليار يوان في العام السابق.
يقود الشركة مؤسسها ورئيس مجلس إدارتها تشو ييمينغ، الذي ارتبط اسمه بتأسيس المشروع عام 2016 ووضع هدف بناء منافس صيني في سوق تهيمن عليه شركات أجنبية كبرى.
وكان “تشو” قد تعهد سابقًا بعدم الحصول على راتب قبل وصول الشركة إلى مرحلة الربحية، في خطوة هدفت إلى التأكيد على التزامه طويل الأمد بالمشروع.
وبعد الارتفاع الكبير في قيمة الشركة، قفزت ثروته إلى نحو 13.9 مليار دولار، كما أعلن عن تخصيص 40% من ثروته عبر نقل 767.9 مليون سهم بقيمة تقارب 5.6 مليار دولار لبرامج تحفيز الموظفين على مدى عشر سنوات.
رغم النجاحات المتسارعة، تواجه الشركة تحديات كبيرة بسبب القيود الأمريكية المفروضة على قطاع الرقائق الصيني.
وتحد هذه القيود من قدرة “سي إكس إم تي” على الوصول إلى بعض معدات التصنيع المتقدمة، خصوصًا من شركات مثل “إيه إس إم إل” الهولندية، التي تعد من أهم موردي تقنيات صناعة الرقائق عالميًا.
كما أدرجت وزارة الدفاع الأمريكية الشركة ضمن قائمة الشركات التي تعتبرها مرتبطة بالجيش الصيني، وسط دعوات لفرض مزيد من القيود عليها، خاصة مع وجود مساهمات حكومية تتجاوز 36%.
رغم القفزة الهائلة في قيمتها السوقية، لا تزال “سي إكس إم تي” بعيدة عن السيطرة على السوق العالمية، إذ لا تزال حصتها أقل بكثير من الشركات الثلاث الكبرى في صناعة الذاكرة.
وتقترب قيمة الشركة من نظيرتها الصينية “تينسنت” المدرجة في هونغ كونغ، كما تعادل نحو نصف قيمة شركة “مايكرون”، رغم أن حصتها السوقية لا تزال عند مستويات محدودة مقارنة بالكبار.
وتسعى شركات عالمية، من بينها “آبل”، إلى تنويع سلاسل التوريد الخاصة بها والبحث عن مصادر جديدة لرقائق الذاكرة، إلا أن هذه الخطوة تواجه معارضة من بعض الشركات الأمريكية التي تخشى تأثيرها على الصناعة المحلية.
أثبتت “سي إكس إم تي” خلال فترة قصيرة أنها لم تعد مجرد مشروع صيني ناشئ، بل أصبحت لاعبًا مؤثرًا في سوق الرقائق العالمية.
ومع توقعات بارتفاع حصتها السوقية عالميًا إلى نحو 12% خلال العام المقبل، تبدو الشركة في طريقها لتعزيز موقعها كلاعب رئيسي في سباق أشباه الموصلات، الذي أصبح أحد أهم ميادين المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية بين الصين والولايات المتحدة.




