Ad
الاقتصادية

بلاك روك، فانغارد، وستيت ستريت.. القوة الخفية التي تدير كوكب الأرض

في عالمٍ تتداخل فيه الأسواق المالية مع السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا، لم تعد الأساطير مجرد حكايات قديمة تُروى عن مصائر البشر، بل تحولت بعض أفكارها إلى صور حديثة تعكس واقعًا اقتصاديًا شديد التعقيد. هكذا تمامًا، تبدو فكرة “المويراي” الإغريقية — شقيقات القدر الثلاث — وكأنها أعيد إنتاجها ولكن داخل وول ستريت، لا على قمم جبل أوليمب.

ففي الأسطورة، كانت “المويراي” ثلاث قوى خفية تتحكم في خيوط الحياة والموت: واحدة تبدأ النسيج، وأخرى تقيسه، وثالثة تقطعه في اللحظة الحاسمة. لم يكن لأحد أن يعترض طريقهن، لأن المصير كان يُحاك في صمت لا يُكسر.

اليوم، لا يوجد إلهة تقطع الخيوط، لكن هناك ما يشبهها في الشكل والتأثير: ثلاث مؤسسات مالية عملاقة تدير تريليونات الدولارات، وتتمدد داخل كل قطاع اقتصادي تقريبًا، من الشركات العالمية إلى الديون السيادية.

وكما في الأسطورة، فإن تأثيرها لا يُمارس بصخب، بل عبر حركة هادئة تُعيد تشكيل الأسواق دون إعلان مباشر.

تتشكل هذه القوة الثلاثية من بلاك روك وفانغارد وستيت ستريت، وهي مؤسسات تدير مجتمعة أصولًا تُقدّر بنحو 32 تريليون دولار، أي ما يعادل اقتصادات كبرى مجتمعة.

  • بلاك روك، التي تأسست عام 1988، تُعد أكبر مدير أصول في العالم، وتشتهر بصناديق المؤشرات وصناديقها المتداولة “iShares”، إلى جانب نشاطها في الإدارة التقليدية للأصول.
  • فانغارد، التي أسسها “جاك بوغل”، تمثل فلسفة الاستثمار منخفض التكلفة، وتعتمد بشكل أساسي على تتبع المؤشرات بدلًا من محاولة التفوق عليها.
  • ستيت ستريت جلوبال أدفايزرز، الذراع الاستثمارية لشركة “ستيت ستريت”، كانت من أوائل من أطلق صناديق المؤشرات المتداولة، أبرزها صندوق “SPDR S&P 500”.

وبحلول 2025، تجاوزت أصول “بلاك روك” وحدها 14 تريليون دولار، مقابل نحو 12 تريليونًا لـ“فانغارد”، و5.7 تريليون دولار لـ“ستيت ستريت”.

قوة هذه المؤسسات لا تتوقف عند حجم الأموال التي تديرها، بل تمتد إلى عمق النظام الرأسمالي نفسه.

فهي تمتلك حصصًا في معظم الشركات الكبرى المدرجة عالميًا، وغالبًا ما تحتفظ بها لفترات طويلة، ما يمنحها حضورًا ثابتًا داخل مجالس الإدارة.

وتشير تقديرات أكاديمية إلى أن هذه الشركات الثلاث قد تسيطر مجتمعة على ما بين 20% و25% من أسهم مؤشر “S&P 500”، وهو ما يترجم إلى نفوذ تصويتي واسع في القرارات الكبرى للشركات.

هذا النمط من الملكية، المعروف بـ”الملكية المشتركة”، يجعل تأثيرها منتشرًا عبر آلاف الشركات في آن واحد، حتى دون تنسيق مباشر بينها.

ورغم ذلك، لا تمارس هذه المؤسسات نفوذها بطريقة صدامية، بل عبر الضغط التدريجي المرتبط بالحوكمة والمعايير البيئية والاجتماعية.

لم يظهر هذا النفوذ فجأة، بل جاء نتيجة تحول جذري في طريقة الاستثمار خلال العقدين الأخيرين.

فمنذ بداية الألفية، خاصة بعد الأزمة المالية في 2008، بدأ المستثمرون يتحولون نحو الصناديق السلبية منخفضة الرسوم بدلًا من الصناديق النشطة مرتفعة التكلفة.

هذا التحول منح أفضلية طبيعية للشركات الثلاث، التي كانت من أوائل من تبنّى هذا النموذج.

ومع اشتداد المنافسة على خفض الرسوم، أصبحت هذه المؤسسات الوجهة الأولى لصناديق التقاعد والثروات السيادية والمستثمرين الكبار الباحثين عن الاستقرار.

كما ساهمت السياسات النقدية التوسعية وارتفاع أسعار الأصول في تعزيز تدفقات رؤوس الأموال نحو صناديق المؤشرات.

ومع الوقت، أصبحت هذه الشركات حاضرة في ملكية أغلب الشركات الكبرى عالميًا، وهو مستوى من الانتشار لم يكن متصورًا قبل عقدين فقط.

يتجلى التأثير الفعلي لهذه المؤسسات في اجتماعات المساهمين السنوية، حيث تلعب دورًا حاسمًا في اختيار مجالس الإدارة وتحديد الاتجاهات الاستراتيجية.

وغالبًا ما تأخذ الشركات الكبرى هذا النفوذ في الحسبان عند صياغة قراراتها، لتجنب أي مواجهة مع كبار المساهمين.

حصص مديري الأصول في أكبر الشركات الأمريكية

الشركة

بلاك روك (%)

فانجارد (%)

ستيت ستريت (%)

آبل

7.83

9.72

4.11

مايكروسوفت

8.09

9.67

4.12

إنفيديا

7.98

9.33

4.08

أمازون

6.82

7.86

3.61

ميتا

6.77

7.91

3.59

ألفابت

6.63

7.85

3.43

كما تمارس هذه المؤسسات دورًا متزايدًا في قضايا الحوكمة والاستدامة، من خلال تواصلها المستمر مع آلاف الشركات حول العالم.

ولا يتوقف تأثيرها عند القطاع الخاص، بل يمتد إلى المجال العام، إذ تدير جزءًا كبيرًا من السندات الحكومية، بما في ذلك أدوات الدين الأمريكية، ما يمنحها موقعًا غير مباشر في تمويل الدول.

وفي بعض الحالات، استعانت بها مؤسسات نقدية كبرى، كما حدث خلال أزمة 2020 حين تولت “بلاك روك” إدارة برامج شراء أصول طارئة.

يرى بعض الاقتصاديين والجهات التنظيمية أن هذا التركّز الكبير في إدارة الأصول قد يشكل خطرًا هيكليًا على النظام المالي العالمي.

ففي حال حدوث اضطرابات حادة في الأسواق، قد تؤدي التشابهات الكبيرة في المحافظ الاستثمارية إلى عمليات بيع جماعية تضاعف التقلبات.

في المقابل، يرى آخرون أن هذا النفوذ ليس نتيجة سيطرة خفية، بل نتيجة طبيعية لصعود الاستثمار السلبي وانتشاره عالميًا.

وبين هذين التفسيرين، تبقى الحقيقة الأساسية أن هذه المؤسسات أصبحت عنصرًا بنيويًا في النظام المالي الحديث، يصعب تجاهله أو فصله عنه.

كما كانت “المويراي” الإغريقية تحيك مصائر البشر بصمت من خلف الستار، تبدو اليوم “شقيقات وول ستريت” وكأنها تمسك بخيوط الاقتصاد العالمي بنفس الهدوء.

لا تُصدر أوامر، ولا تتصدر المشهد السياسي، لكنها تؤثر في اتجاهات الأسواق، وتعيد تشكيل توزيع رأس المال العالمي بطريقة دقيقة ومستقرة ظاهريًا.

وفي عالم معقد تتداخل فيه المصالح والبيانات والقرارات، قد لا تكون القوة الحقيقية في الضجيج… بل في القدرة على إدارة الخيوط بصمت، دون أن تُرى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى