حين يتحوّل البنك المركزي من حارسٍ للنقد إلى صانعٍ للأسواق

لم تعد ممرات البنوك المركزية أماكن هادئة تُدار فيها السياسة النقدية بحسابات دقيقة وبخطوات محسوبة. اليوم، يسود ضجيج رقمي صاخب، تُخلق فيه مليارات الدولارات بقرارات فورية، وتُدار فيه الأسواق كما تُدار أوركسترا ضخمة يقف في مقدمتها “مايسترو” واحد يضبط الإيقاع.
وبين من يرى في تضخم الميزانيات العمومية حصناً واقياً من الصدمات، ومن يقرأه كجرس إنذار مبكر لاختلالات أعمق، تتسع دائرة الجدل حول الدور الحقيقي للبنوك المركزية في الاقتصاد الحديث.
قبل عقدين فقط، كانت ميزانيات هذه المؤسسات أشبه بحقائب صغيرة، لا تتجاوز نسباً محدودة من الناتج الداخلي، ومهمتها الأساسية ضمان استقرار الأسعار وتسهيل التداول.

غير أن الأزمة المالية العالمية في 2008، ثم الصدمة غير المسبوقة لجائحة “كوفيد-19”، قلبتا المشهد رأساً على عقب. تحولت الميزانيات إلى مستودعات عملاقة للأصول والسندات والعملات، ولم يعد البنك المركزي مجرد مراقب للإيقاع، بل صار العازف الأبرز الذي يحدد نغمة السوق واتجاهها.
في الظروف الطبيعية، تظل الميزانية العمومية أداة تقنية محدودة التأثير. لكن مع اللجوء إلى التيسير الكمي، تبدأ القصة بالتعقّد؛ إذ يتجه البنك المركزي إلى شراء السندات الحكومية وديون الشركات، فتنتفخ ميزانيته بسرعة. ما كان وسيلة إسعاف مؤقتة يتحول إلى عبء هيكلي، يجعل الاقتصاد معتمداً على ضخ نقدي مستمر يصعب فصله عنه لاحقاً.
نسبة أصول بعض البنوك المركزية لاقتصاد الدول | |||
الترتيب | الدولة | نسبة الأصول من الناتج المحلي (%) | عام التأسيس |
1 | لوكسمبورج | 287.5 | 1998 |
2 | هونج كونج | 126.7 | 1993 |
3 | اليابان | 110.6 | 1882 |
4 | سنغافورة | 104.6 | 1970 |
5 | سويسرا | 98.4 | 1907 |
6 | اليونان | 88.8 | 1927 |
7 | البرتغال | 65.8 | 1846 |
8 | لاتفيا | 59.5 | 1990 |
9 | فنلندا | 53.9 | 1811 |
10 | تايلاند | 53.5 | 1942 |
11 | بلجيكا | 53.3 | 1850 |
12 | سلوفينيا | 52.8 | 1991 |
13 | إسبانيا | 52.5 | 1856 |
14 | ألمانيا | 51.5 | 1948 |
15 | فرنسا | 50.6 | 1800 |
16 | النمسا | 50.0 | 1923 |
17 | إيطاليا | 48.0 | 1893 |
18 | الإمارات | 47.4 | 1973 |
19 | سلوفاكيا | 44.6 | 1993 |
20 | التشيك | 42.1 | 1993 |
21 | السعودية | 41.9 | 1952 |
22 | منطقة اليورو | 39.5 | 1998 |
23 | كرواتيا | 39.4 | 1990 |
24 | البرازيل | 38.9 | 1964 |
25 | إستونيا | 35.8 | 1990 |
26 | ليتوانيا | 34.1 | 1990 |
27 | هولندا | 34.1 | 1814 |
28 | الصين | 33.9 | 1948 |
29 | مقدونيا الشمالية | 33.8 | 1992 |
30 | المجر | 32.3 | 1924 |
31 | ماليزيا | 31.4 | 1959 |
32 | بيرو | 29.6 | 1922 |
33 | بولندا | 28.4 | 1924 |
34 | الفلبين | 28.1 | 1993 |
35 | المملكة المتحدة | 27.0 | 1694 |
36 | أيرلندا | 26.4 | 1943 |
37 | الدنمارك | 23.9 | 1818 |
38 | الهند | 23.0 | 1934 |
39 | الولايات المتحدة | 22.2 | 1913 |
40 | كوريا الجنوبية | 22.0 | 1950 |
غالباً لا تتجه السيولة الضخمة إلى تحسين الأجور أو دعم الاستثمار الإنتاجي، بل تجد طريقها إلى أسواق الأسهم والعقار، ما يخلق فقاعات سعرية لافتة.
وفي الوقت ذاته، يؤدي شراء الديون الحكومية بشكل متكرر إلى تمويل غير مباشر لعجز الميزانيات العامة، الأمر الذي قد يشجع على التوسع في الإنفاق على افتراض أن البنك المركزي سيظل حاضراً لإنقاذ الموقف.
عندما تبدأ مؤشرات التضخم في الارتفاع، يجد “المايسترو” نفسه مضطراً لتغيير النغمة. هنا يبدأ التشديد الكمي، عبر تقليص إعادة استثمار السندات أو بيعها في السوق، بهدف سحب السيولة وكبح الأسعار.
غير أن هذه العملية تشبه جراحة دقيقة في قلب النظام المالي؛ فكلما كان البالون أكبر، ازدادت مخاطر انفجاره عند محاولة تفريغه بدل انكماشه بهدوء.
على الساحة العالمية، تتصدر الصين والولايات المتحدة سباق تضخم الميزانيات العمومية، بأصول تقارب 6.6 تريليونات دولار لكل منهما، فيما تحتفظ المملكة المتحدة بمكانة متقدمة رغم خروجها من الاتحاد الأوروبي.
وفي نموذج مختلف، يتصرف البنك المركزي السويسري كمستثمر دولي يمتلك محافظ أسهم واسعة، سعياً للحد من قوة الفرنك وحماية الصادرات. أما اليابان، فتقدم حالة استثنائية، إذ تجاوزت ميزانية بنكها المركزي حجم الناتج المحلي، في سياسة طويلة الأمد للإبقاء على فوائد شبه صفرية.
لم يعد هذا المشهد حكراً على الاقتصادات المتقدمة. فالهند والبرازيل تحتلان مراكز متقدمة عالمياً، بأصول تقترب من تريليون دولار لكل منهما، في مؤشر على تحول موازين القوة النقدية.
إقليمياً، تبرز البنوك المركزية العربية كدعامة للاستقرار، مع تصدر السعودية المشهد، تليها الإمارات، في إطار سياسات تستهدف إدارة الفوائض المالية وتوجيهها نحو التحول الاقتصادي عبر الصناديق السيادية.
في المحصلة، لم يعد تضخم الميزانيات العمومية مجرد تفصيل محاسبي، بل صار عاملاً حاسماً يعيد رسم حدود الدور النقدي. هو علاج أنقذ الاقتصاد العالمي من أزمات خانقة، لكنه في الوقت ذاته قيدٌ ثقيل، قد يتحول إلى مصدر اضطراب إذا طال الاعتماد عليه أكثر مما ينبغي.




