دراسة : 98% من المغاربة يتمسكون بالتقاليد مع تنامي الرغبة في الاستقلالية الفردية

رغم التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعرفها المغرب، والتغيرات التي تطال أنماط العيش والاستهلاك، لا تزال القيم والتقاليد الموروثة تحتفظ بمكانة بارزة لدى المغاربة، إذ يؤيد 98 في المائة منهم الحفاظ عليها، فيما يرى 87 في المائة أن تبني أساليب الحياة العصرية لا يتعارض مع التشبث بالهوية الثقافية الوطنية.
وتبرز هذه النتائج، التي كشفت عنها دراسة حديثة أعلن عن نتائجها الاثنين، استمرار حضور المرجعيات الاجتماعية والثقافية في حياة المغاربة، بالتوازي مع تنامي تطلعاتهم نحو حرية الاختيار والاستقلالية في اتخاذ القرارات الشخصية، بما يعكس تداخلاً بين المحافظة على الموروث والانفتاح على التحولات المعاصرة.
وأُنجزت الدراسة من طرف معهد «إنسايتس هاوس»، بشراكة مع وكالة «كوم آند توك»، وشملت أكثر من ألف شخص تبلغ أعمارهم 18 سنة فما فوق، بهدف رصد القيم التي تؤثر في سلوك المستهلك المغربي وفهم العوامل الاجتماعية والثقافية التي توجه اختياراته.
وأظهرت نتائج البحث أن المغرب يحتل موقعاً متقدماً في التمسك بالتقاليد ضمن مقارنة دولية شملت 49 بلداً، حيث تجاوز المؤشر المغربي الوسيط الدولي بـ17 نقطة، وفق مقياس شوارتز للقيم، المستخدم في الدراسات المقارنة لتحليل التوجهات الفردية والاجتماعية.
كما سجل المغرب مستويات أعلى من الوسيط الدولي بـ16 نقطة في ما يتعلق بأهمية المكانة الاجتماعية والسلطة، وبـ13 نقطة في الامتثال للأعراف الاجتماعية، وهي مؤشرات تعكس استمرار تأثير المعايير الجماعية والمحيط الاجتماعي في تشكيل توجهات الأفراد وسلوكهم.
وفي المقابل، كشفت الدراسة عن حضور قوي لقيمة الاستقلالية، التي تصدرت ترتيب القيم الأكثر أهمية لدى المشاركين بنسبة 73 في المائة، متقدمة على الاهتمام بالآخرين، الذي بلغ 70 في المائة، والقيم الإنسانية المشتركة التي سجلت 65 في المائة.
وتشير هذه المعطيات إلى أن الرغبة في اتخاذ القرارات بصورة مستقلة والتعبير عن التفضيلات الشخصية تتزايد لدى المغاربة، دون أن يعني ذلك بالضرورة تراجع أهمية الروابط العائلية والاجتماعية أو التخلي عن المرجعيات الثقافية السائدة.
وفي هذا السياق، أوضح المدير العام لمعهد «إنسايتس هاوس»، أيناد بشير، أن أبرز ما تعكسه النتائج هو التعايش بين الرغبة المتنامية في الاستقلالية واستمرار الارتباط بالقيم الجماعية، مبرزاً أن الفرد المغربي أصبح أكثر ميلاً إلى التعبير عن اختياراته الخاصة، مع مواصلة التفاعل مع محيط اجتماعي تظل فيه الأعراف والعلاقات الثقافية مؤثرة.
ولم تقتصر الدراسة على رصد القيم الاجتماعية، بل امتدت إلى تحليل انعكاساتها على السلوك الاستهلاكي، حيث أفاد 66 في المائة من المشاركين بأنهم يأخذون آراء أفراد الأسرة والأصدقاء بعين الاعتبار عند شراء المنتجات، بينما عبر 28 في المائة فقط عن موافقتهم التامة على هذا التوجه.
كما أقر 37 في المائة من المستجوبين بأنهم يغيرون سلوكهم في كثير من الأحيان تبعاً للصورة التي يعتقدون أن الآخرين يحملونها عنهم، وهو ما يبرز استمرار تأثير المحيط الاجتماعي في الاختيارات الفردية، حتى في المجالات المرتبطة بالاستهلاك الشخصي.
وتعكس هذه النتائج أن قرارات الشراء لا ترتبط دائماً بالسعر أو الجودة أو الحاجة الفعلية إلى المنتج، بل قد تتأثر أيضاً بتوصيات المقربين، والرغبة في الانسجام مع المجموعة الاجتماعية، والتصورات المرتبطة بالصورة التي يقدمها الفرد عن نفسه.
وفي ما يتعلق بمظاهر النجاح والمكانة الاجتماعية، أظهرت الدراسة أن 52 في المائة من المشاركين يهتمون بمواكبة المنتجات الجديدة، في حين أقر 27 في المائة بأن بعض مشترياتهم تستهدف إثارة إعجاب الآخرين.
لكن هذه الرغبة في التميز لا تعني أن إظهار النجاح بصورة علنية يحظى بقبول اجتماعي واسع، إذ اعتبر 76 في المائة من المستجوبين أن إظهار النجاح بشكل علني قد يثير ردود فعل سلبية من المحيط الاجتماعي.
ويكشف هذا التباين عن علاقة مركبة بين الاستهلاك والصورة الاجتماعية، حيث يتطلع بعض المستهلكين إلى مواكبة المستجدات وإبراز تميزهم من خلال المنتجات التي يقتنونها، لكنهم يظلون في الوقت نفسه حريصين على مراعاة نظرة الآخرين وتفادي ردود الفعل السلبية.
وترى الجهات المشرفة على الدراسة أن هذه المعطيات تفرض على الشركات والعلامات التجارية إعادة النظر في أساليب التواصل مع المستهلك المغربي، من خلال الجمع بين مخاطبة تطلعاته الفردية واحترام الخصوصيات الثقافية والاجتماعية التي تؤثر في قراراته.
وفي هذا الإطار، أكدت المديرة الشريكة لوكالة «كوم آند توك»، دنيا السقاط، أن قوة المرجعيات الثقافية في المجتمع المغربي تستدعي تطوير حملات إعلانية أكثر ارتباطاً بواقع المستهلك، تجمع بين أنماط الحياة المعاصرة والقيم التقليدية التي لا تزال تحظى بأهمية كبيرة.
وأضافت أن العلامات التجارية مطالبة بتقديم رسائل وصور تعكس تطلعات المغاربة المتجددة، دون إغفال السياق الاجتماعي والثقافي الذي تتشكل داخله تفضيلاتهم الاستهلاكية.
وتندرج هذه النتائج ضمن الجزء الأول من دراسة «Into the WHY 2026»، التي تعتمد على تحليل القيم والخصائص النفسية المرتبطة بسلوك المستهلكين، ضمن سلسلة تتكون من أربعة تقارير تهدف إلى فهم أعمق لعلاقة المغاربة بالاستهلاك والعلامات التجارية.
ومن المنتظر أن تتناول الأجزاء المقبلة عوامل إضافية مؤثرة في قرارات الشراء وتفضيلات المستهلكين، بما يوفر معطيات أوسع حول التحولات التي يشهدها السوق المغربي، والتوازن الذي يسعى المستهلك إلى تحقيقه بين اختياراته الشخصية وتأثير محيطه الاجتماعي والثقافي.




