الذكاء الاصطناعي يحول النفايات إلى ثروة اقتصادية وفرص استثمارية واعدة

لم تعد النفايات مجرد مخلفات تنتهي رحلتها في المكبات أو المحارق، بل أصبحت مورداً اقتصادياً يمكن استغلاله لخلق قيمة مضافة وفتح آفاق استثمارية جديدة، في ظل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي التي تتيح فرز المواد المستعملة واستعادة مكوناتها بكفاءة أكبر، وتحويلها إلى مواد أولية قابلة لإعادة الاستخدام في الصناعة.
وتبرز أهمية هذا التحول في وقت تواجه فيه الاقتصادات العالمية تحديات متزايدة مرتبطة بتدبير النفايات، وارتفاع الطلب على المواد الخام، وتقلب سلاسل الإمداد، ما يجعل الاقتصاد الدائري أحد المجالات الواعدة لتحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة.
وتعكس الأرقام حجم الإمكانات التي لا تزال غير مستغلة في هذا المجال؛ إذ ينتج الفرد في المتوسط نحو 0.88 كيلوغرام من النفايات يومياً، مقابل أكثر من 2.2 كيلوغرام في الولايات المتحدة وكندا.
ورغم ضخامة هذه الكميات، لا تتجاوز نسبة البلاستيك الذي يُعاد تدويره عالمياً 9%، في حين لم تمثل الألياف المعاد تدويرها سوى 8% من إجمالي الألياف المستخدمة في صناعة المنسوجات خلال سنة 2023.
وتكشف هذه المعطيات عن اختلال واضح بين حجم النفايات المنتجة والإمكانات المتاحة لاستعادة قيمتها الاقتصادية، خاصة في ظل استمرار التخلص من كميات كبيرة من المواد التي يمكن إعادة إدماجها في الدورة الإنتاجية.
ووفق تقديرات شركة «أكسنتشر»، فإن الانتقال من النموذج الاقتصادي التقليدي القائم على الإنتاج والاستهلاك والتخلص من المخلفات إلى نموذج دائري قد يتيح تحقيق قيمة اقتصادية إضافية تصل إلى 4.5 تريليون دولار بحلول سنة 2030، لترتفع إلى 25 تريليون دولار في أفق 2050.
ضمن هذا التوجه، يسلط تقرير «50 فرصة استثمارية لاقتصاد الطبيعة الجديد»، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، الضوء على الأنشطة التجارية التي تجمع بين الجدوى الاقتصادية وتحقيق نتائج إيجابية للبيئة.
ويحدد التقرير 50 فرصة قابلة للاستثمار موزعة على 13 قطاعاً، مع مراعاة مستوى نضج التكنولوجيا ومدى جاهزية النماذج المالية لتوسيع نطاق هذه الأنشطة.
ويأتي الفرز المتقدم للنفايات البلاستيكية باستخدام الذكاء الاصطناعي ضمن الفرص التي تمتلك مقومات التوسع التجاري، بفضل تطور الحلول التقنية وتوافر أدوات التمويل وتنامي الطلب على المواد المعاد تدويرها.
ولا تقتصر جاذبية هذا النشاط على مساهمته في الحد من التلوث، بل تمتد إلى قدرته على توفير مواد أولية بديلة للصناعات المختلفة، وتقليص الاعتماد على الموارد البكر، وخلق مصادر جديدة للإيرادات بالنسبة إلى الشركات العاملة في جمع النفايات ومعالجتها وإعادة تدويرها.

اعتمدت منشآت إعادة التدوير تقليدياً على العمالة البشرية لفرز النفايات يدوياً فوق أحزمة النقل، في عمليات تتطلب جهداً متواصلاً وتتسم بمخاطر مهنية، فضلاً عن محدودية قدرتها على التعامل مع الكميات الكبيرة والمتنوعة من المواد.
غير أن دخول تقنيات الرؤية الحاسوبية والتعلم الآلي أحدث تحولاً في أساليب العمل، من خلال تمكين الأنظمة الذكية من تحديد طبيعة المواد والتعرف إلى خصائصها، ثم توجيه الروبوتات وأجهزة الفرز نحو استخراج العناصر القابلة لإعادة التدوير.
وتستخدم شركات من بينها «غراي باروت» و«إيه إم بي روبوتيكس» و«تومرا» هذه التقنيات لتحسين عمليات الفرز، مع بلوغ مستويات دقة تصل إلى 98% في بعض التطبيقات، فيما تستطيع الأذرع الروبوتية معالجة 80 قطعة أو أكثر في الدقيقة.
ويساعد هذا التطور على رفع إنتاجية المنشآت وتقليل الأخطاء وتحسين ظروف العمل، من دون أن يعني بالضرورة الاستغناء الكامل عن العنصر البشري، إذ يمكن توجيه العاملين نحو مهام المراقبة والصيانة والإشراف على الأنظمة.
كما يمتد دور الذكاء الاصطناعي إلى مختلف مراحل سلسلة تدبير النفايات، بدءاً من جمعها ونقلها، مروراً بفرزها ومعالجتها، وصولاً إلى تسويق المواد المسترجعة وإعادة إدماجها في تصنيع المنتجات الجديدة.
تبدأ عملية إعادة التدوير غالباً قبل وصول النفايات إلى المنشآت المتخصصة، إذ يؤدي خلط المواد القابلة للاسترجاع ببقايا الطعام والنفايات العضوية إلى تراجع جودتها وارتفاع تكلفة معالجتها.
وفي هذا السياق، تتيح حلول الذكاء الاصطناعي، ومنها الأنظمة التي تطورها شركة «إنتويتيف إيه آي»، إمكانية رصد بعض أشكال التلوث عند نقاط التخلص من النفايات، بما يساعد على تحسين جودة المواد منذ المراحل الأولى من السلسلة.
أما داخل منشآت الفرز، فلا تزال التقنيات التقليدية تواجه صعوبات في التعرف إلى بعض المواد، خصوصاً العبوات متعددة الطبقات والبلاستيك الأسود ومواد التغليف المرنة، ما يؤدي إلى فقدان كميات كان من الممكن استعادتها.
وتوفر أنظمة الرؤية الحاسوبية المتقدمة إمكانات أفضل للتعرف إلى هذه المواد وفصلها، بينما تتجه الأبحاث إلى تطوير وسائل أكثر دقة لتحديد التركيب الكيميائي للمخلفات.
ومن بين المشاريع التي تعمل في هذا الاتجاه مشروع «ماتيرا» التابع لـ«غوغل إكس»، الذي يسعى إلى تطوير تقنيات للتعرف إلى المواد على المستوى الجزيئي وتحديد خصائصها الكيميائية، بما قد يتيح مستقبلاً استعادة بوليمرات يصعب تدويرها بالطرق التقليدية وتحويلها إلى مواد أولية ذات جودة مرتفعة.
ويكتسي هذا التطور أهمية خاصة بالنسبة إلى الصناعات التي تحتاج إلى مواد معاد تدويرها تستوفي معايير صارمة للجودة والسلامة، إذ إن نجاح عملية الفرز لا يقاس فقط بحجم المواد المستخرجة، بل أيضاً بمدى صلاحيتها للاستخدام الصناعي.
لا تنتهي التحديات بمجرد استعادة المواد من النفايات، إذ تظل جودة المنتجات المعاد تدويرها عاملاً حاسماً في تحديد قيمتها التجارية. وقد يؤدي تراجع محدود في الجودة إلى خسائر مالية كبيرة بالنسبة إلى المنشآت التي تسوق هذه المواد بكميات ضخمة.
كما أن تقلبات الأسواق العالمية قد تؤثر في الطلب على المواد المسترجعة، وهو ما برز بوضوح سنة 2018 عندما أوقفت الصين استيراد النفايات القابلة لإعادة التدوير المختلطة، الأمر الذي فرض ضغوطاً على أسواق ومرافق المعالجة في عدد من البلدان.

وفي مواجهة هذه التحديات، تتيح أنظمة الفرز المدعومة بالذكاء الاصطناعي إنشاء سجلات أكثر دقة بشأن طبيعة المواد المستخرجة وجودتها وكمياتها، ما يساعد المشترين على التحقق من خصائص المنتجات التي يحصلون عليها.
وتستفيد العلامات التجارية ومصنعو مواد التغليف من هذه البيانات لإثبات مدى احترامهم لمتطلبات المحتوى المعاد تدويره، كما يمكن استخدامها لتحسين تصميم المنتجات وجعلها أكثر قابلية للاسترجاع والمعالجة.
وتوفر المعطيات نفسها للحكومات والجهات المكلفة بتدبير النفايات أساساً أفضل لتقييم أداء منظومات الجمع وإعادة التدوير، وتحديد المجالات التي تحتاج إلى استثمارات إضافية في البنية التحتية.
يتزايد الاهتمام بالمواد المعاد تدويرها بفعل عاملين رئيسيين، يرتبط أولهما بتشديد القواعد التنظيمية التي تلزم الشركات بإدماج نسب محددة من هذه المواد في منتجاتها.
وفي هذا الإطار، تتجه التشريعات الأوروبية المتعلقة بالتغليف ونفايات التغليف إلى فرض حدود دنيا للمحتوى المعاد تدويره في العبوات البلاستيكية ابتداءً من سنة 2030، بينما تنص متطلبات هندية على استخدام محتوى معاد تدويره بنسبة 40% في العبوات البلاستيكية الصلبة اعتباراً من أبريل 2026، وفق المعطيات الواردة في التقرير.
كما اعتمدت عدة ولايات أمريكية رسوماً وآليات مرتبطة بمسؤولية المنتج، بما يدفع الشركات إلى تحمل جزء أكبر من تكاليف تدبير مخلفات منتجاتها.
أما العامل الثاني، فيتمثل في تقلب أسعار المواد الخام البكر وتزايد المخاطر المرتبطة بتوفيرها، خصوصاً في ظل الاضطرابات التي تعرفها سلاسل الإمداد العالمية.
وقد ساهمت التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط خلال سنة 2026 في تعزيز المخاوف بشأن استقرار إمدادات بعض المواد الخام وتكلفتها، ما أعاد تسليط الضوء على أهمية تطوير مصادر بديلة وأكثر مرونة.
وفي هذا السياق، أوضحت أماندين جولي، رئيسة الشراكات والعلاقات الخارجية في «سيركيوليت كابيتال»، أن اضطرابات إمدادات المواد الخام البكر عززت اهتمام المستثمرين بالقدرات الإنتاجية المرتبطة بالمواد المعاد تدويرها، معتبرة أن الاقتصاد الدائري بات يُنظر إليه أيضاً باعتباره وسيلة للحد من مخاطر سلاسل التوريد، وليس مجرد استجابة لمتطلبات الاستدامة.
تختلف احتياجات التمويل في قطاع إعادة التدوير الذكي باختلاف طبيعة الشركات وموقعها ضمن سلسلة القيمة. فالشركات التي تطور البرمجيات والحلول القائمة على الذكاء الاصطناعي تعتمد غالباً على رأس المال الجريء في مراحل نموها الأولى، كما حدث مع شركة «غراي باروت» التي جمعت 27 مليون دولار خلال جولة تمويل من الفئة «بي».
وفي المقابل، تحتاج الشركات المصنعة للمعدات إلى تمويل النمو من أجل توسيع قدراتها الإنتاجية وتلبية الطلب المتزايد، بينما يمكن لمنشآت الفرز القائمة تمويل تحديث خطوطها عبر قروض الاستثمار أو التمويلات المرتبطة بأهداف الاستدامة، خاصة عندما تكون قادرة على تحقيق تدفقات نقدية منتظمة.
وتختلف الوضعية بالنسبة إلى أنشطة جمع النفايات، التي لا تحقق عادة عوائد تجارية مستقلة كافية لتغطية جميع تكاليفها، ما يجعلها أكثر اعتماداً على التمويل العمومي والشراكات بين القطاعين العام والخاص والتمويل المختلط الذي يجمع موارد متعددة.
ويقدم «سند خفض النفايات البلاستيكية» التابع للبنك الدولي، بقيمة 100 مليون دولار والمخصص لتمويل مشاريع الجمع وإعادة التدوير في غانا وإندونيسيا، مثالاً على الآليات المالية التي تستهدف دعم هذه الأنشطة.
ومع ذلك، يظل توفر مشترين مستعدين لاقتناء المواد المعاد تدويرها بشروط واضحة عاملاً أساسياً لضمان استدامة الاستثمارات. فغياب الطلب المستقر يجعل الشركات عرضة لتقلبات الأسعار والمنافسة المباشرة مع المواد الخام البكر.
ولهذا، يتطلب توسيع الاستثمارات في هذا المجال تطوير عقود توريد طويلة الأجل واتفاقات شراء مستقبلية، تضمن للموردين حداً أدنى من الأسعار أو شروطاً تجارية أكثر وضوحاً مقابل توفير مواد معاد تدويرها تستوفي معايير الجودة المطلوبة.
ومن شأن هذه الآليات تعزيز القدرة على توقع الإيرادات وتقليص المخاطر التي تواجه المستثمرين والمقرضين، بما يسهل تمويل منشآت المعالجة ومشاريع إعادة التدوير واسعة النطاق.
تكشف التحولات الجارية أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تقنية لتحسين سرعة فرز النفايات، بل أصبح أداة يمكن أن تربط بين جودة المواد المسترجعة والبيانات القابلة للتحقق ومتطلبات الأسواق والقدرة على جذب التمويل.
غير أن الاستفادة الكاملة من هذه الإمكانات تظل رهينة بتطوير منظومة متكاملة تشمل الجمع والفرز والمعالجة والتسويق، إلى جانب توفير بنية تحتية ملائمة وضمان وجود طلب مستقر على المنتجات المعاد تدويرها.
كما يتطلب نجاح الاقتصاد الدائري تعاوناً مستمراً بين الشركات والحكومات والمستثمرين، إلى جانب تشريعات تحفز استخدام المواد المسترجعة وتدعم نماذج الأعمال القادرة على تحويل المخلفات إلى موارد اقتصادية.
وبذلك، يمكن للنفايات أن تنتقل من كونها عبئاً بيئياً ومالياً إلى أصل اقتصادي قابل للاستثمار، فيما يمنح الذكاء الاصطناعي الشركات أدوات أكثر دقة لاكتشاف القيمة الكامنة فيها واستعادتها وتسويقها ضمن دورة إنتاج أكثر كفاءة واستدامة.




