الاستثمارات بين المغرب وإسبانيا تتراجع بقوة خلال النصف الأول من 2026

أظهرت بيانات رسمية إسبانية تراجعاً قوياً في حركة الاستثمارات المتبادلة بين المغرب وإسبانيا خلال النصف الأول من سنة 2026، في وقت تشهد فيه العلاقات الاقتصادية بين البلدين مساعي متواصلة لتعزيز التعاون ورفع حجم الحضور الاستثماري للشركات الإسبانية في المملكة.
وبحسب معطيات أوردتها صحيفة «أوكدياريو» الإسبانية، نقلاً عن بيانات وزارة التجارة الإسبانية، لم تتجاوز الاستثمارات التي ضختها الشركات الإسبانية في المغرب خلال الفترة الممتدة بين يناير ويونيو الماضيين 3.1 ملايين يورو، مقابل مستويات أعلى بكثير تم تسجيلها خلال السنوات السابقة.
ويبرز هذا الانخفاض بشكل أوضح عند مقارنته بحجم الاستثمارات الإسبانية في المغرب خلال سنة 2025، والتي بلغت نحو 95.2 مليون يورو، بعدما وصلت إلى 61.5 مليون يورو في 2024، فيما تجاوزت حاجز 101 مليون يورو سنة 2020.
لم يكن الاتجاه مختلفاً في الجانب الآخر، إذ شهدت الاستثمارات المغربية في إسبانيا انخفاضاً أكثر حدة خلال الأشهر الستة الأولى من 2026.
فقد اقتصرت قيمة الاستثمارات المغربية في السوق الإسبانية على حوالي 64.100 يورو فقط بين يناير ويونيو، مقارنة بـ13.2 مليون يورو خلال سنة 2025، ونحو 27.5 مليون يورو في 2024.
وتعكس هذه الأرقام تراجعاً ملحوظاً في تدفقات الاستثمار المباشر في الاتجاهين، رغم استمرار العلاقات التجارية بين البلدين في تسجيل مستويات مهمة خلال السنوات الأخيرة.
ويأتي هذا التطور في ظل توجه إسباني واضح نحو تعزيز العلاقات الاقتصادية مع المغرب، الذي يمثل أحد أبرز الشركاء التجاريين لإسبانيا في المنطقة.
وقد اكتسبت العلاقات الثنائية زخماً إضافياً منذ التحول الذي شهدته مواقف مدريد بشأن قضية الصحراء، لتتحول الشراكة المغربية الإسبانية إلى أحد الملفات البارزة في السياسة الخارجية والاقتصادية الإسبانية.
وفي هذا الإطار، شكل الاجتماع رفيع المستوى الذي جمع الحكومتين المغربية والإسبانية في الرباط سنة 2023 محطة مهمة لتأكيد الرغبة المشتركة في توسيع التعاون الاقتصادي وتشجيع الاستثمارات المتبادلة.
وخلال تلك المرحلة، جرى الترويج أيضاً لفرص الاستثمار التي يوفرها المغرب، في ظل المشاريع الكبرى التي أطلقتها المملكة في عدد من القطاعات، إلى جانب خطط تنموية تمتد على مدى عقود.
وتتجه الأنظار حالياً إلى المشاريع المرتبطة بالتحضير لتنظيم نهائيات كأس العالم 2030، التي ستحتضنها المغرب وإسبانيا والبرتغال بشكل مشترك، باعتبارها أحد المجالات التي يمكن أن تفتح فرصاً إضافية أمام الشركات الإسبانية لتوسيع أنشطتها في السوق المغربية.
وفي السياق ذاته، تشير المعطيات الواردة في التقرير الإسباني إلى استعداد مدريد لتنظيم فعالية اقتصادية جديدة في الرباط، بهدف تحفيز الشركات الإسبانية على استكشاف فرص استثمارية إضافية بالمملكة وتعزيز حضورها في عدد من القطاعات.
وتأتي هذه التحركات في وقت يواصل فيه المغرب تنفيذ مشاريع كبرى مرتبطة بالبنية التحتية والنقل والطاقة والسياحة وغيرها من المجالات، ما يوفر، وفق المعطيات المتداولة، إمكانات جديدة أمام المستثمرين الأجانب.
المفارقة اللافتة في العلاقات الاقتصادية بين البلدين تتمثل في أن نمو المبادلات التجارية لم يواكبه، خلال الفترة الأخيرة، تطور مماثل في تدفقات الاستثمار المباشر.
فالتجارة الثنائية واصلت توسعها خلال السنوات الماضية، مع تسجيل نمو في الصادرات والواردات، وإن بوتيرة وصفت بالمعتدلة، بينما ظل الميزان التجاري يميل بشكل طفيف لصالح إسبانيا.
ويشير هذا التباين إلى أن ارتفاع حجم المبادلات التجارية لا يؤدي بالضرورة إلى زيادة مماثلة في الاستثمارات، خصوصاً أن قرار الشركات بتوسيع حضورها خارج الأسواق المحلية يرتبط بمجموعة واسعة من العوامل الاقتصادية والتمويلية والتنظيمية.
ويأتي تراجع الاستثمار في سياق إقليمي شهد بدوره تطورات متعددة أثرت في طبيعة العلاقات المغربية الإسبانية، من بينها ملف الهجرة والتحديات المرتبطة بمدينة سبتة المحتلة، إلى جانب عدد من الملفات ذات الطابع السياسي والأمني.
ورغم استمرار التنسيق بين الرباط ومدريد في مجالات مختلفة، فإن ضعف تدفقات الاستثمار خلال النصف الأول من السنة الجارية يبرز وجود فجوة بين مستوى التقارب السياسي والتجاري وبين حجم الاستثمارات المباشرة المتبادلة.
وتظل الأشهر المقبلة مهمة لتقييم مدى قدرة المبادرات الاقتصادية الجديدة والمشاريع المرتبطة بالتحضير لمونديال 2030 على تغيير هذا الاتجاه، خصوصاً في ظل الرغبة المعلنة من الجانبين في تحويل الشراكة الاقتصادية إلى حضور استثماري أكثر اتساعاً واستدامة.
وبذلك، تضع أرقام النصف الأول من 2026 ملف الاستثمار المتبادل أمام اختبار جديد، بعدما أظهرت أن تطور التجارة والتقارب السياسي لم يترجما، إلى حدود هذه المرحلة، إلى نمو مماثل في تدفقات رؤوس الأموال بين البلدين.




