الأسهمالاقتصادية

وهم الدخل السلبي.. المخاطر النفسية التي تهدد المتداولين الجدد

يطمح الكثيرون إلى تحقيق دخل ثابت دون عناء يومي، لكن الحقيقة أن “الدخل السلبي” في أسواق الأسهم ليس بلا جهد كما يظن البعض. فحتى المستثمرين المبتدئين الذين يغريهم بريق الأرباح يحتاجون إلى دراسة مستمرة، وفهم استراتيجيات السوق، وضبط انفعالاتهم النفسية.

غياب هذا الانضباط غالبًا ما يؤدي إلى خسائر فادحة، رغم جاذبية الفرص الظاهرية.

في دراسة أجرتها جامعة “مونز” البلجيكية عام 2025، تم إنشاء “مختبر سلوكي” لمحاكاة سوق هابط لمدة 72 ساعة، مع ضغط مستمر من الأخبار وتحديثات الأسعار. وأظهرت النتائج ظاهرة خطيرة تُعرف بـ”تداول الانتقام”، حيث يسعى المتداول الذي يتكبد خسائر في اليوم الأول إلى فتح صفقات أكبر وأكثر مخاطرة، في محاولة لاستعادة ما خسره، معتبرًا السوق خصمًا شخصيًا له.

هذه التصرفات أدت إلى تصفير المحفظة بنسبة 70% أسرع مقارنة بالمتمسكين بخططهم الاستثمارية. ويُعد “جيسي ليفرمور”، رائد التحليل الفني في أوائل القرن العشرين، أبرز مثال على هذه الظاهرة، إذ فقد جزءًا كبيرًا من ثروته في محاولات “تأديب السوق”، ليؤكد تحذيره الشهير: “السوق ليس خصمك، بل أنت خصم نفسك”.

تظهر دراسة جامعة “مونز” أن الرغبة في التفوق على الآخرين يمكن أن تكون محفوفة بالمخاطر. عند عرض ترتيب المتداولين حسب أرباحهم، اندفع الرابحون نحو صفقات محفوفة بالمخاطر بدافع الثقة الزائدة، بينما لجأ الخاسرون إلى صفقات عشوائية لمحاولة اللحاق بالآخرين.

يمتد الضغط الاجتماعي إلى منصات التواصل، مثل “ريديت” و”وول ستريت بيتس”، حيث تُعرض النجاحات والإخفاقات باستمرار، ما يدفع أكثر من نصف المتداولين لمراقبة أداء الآخرين، وتأثر قراراتهم بشكل كبير، خصوصًا في مسابقات التداول اللحظية، حيث يتعرض أكثر من 95% من المشاركين المتوسطين لخسائر فادحة.

رصدت الدراسة أيضًا ظاهرة “التجمد الإدراكي”، حيث يتمسك بعض المتداولين بأسهم فقدت 30-50% من قيمتها، ليس بسبب توقع صعودها، بل لتجنب تحويل “الخسارة الورقية” إلى خسارة فعلية عند البيع.

مثال بارز هو المستثمر الأمريكي “بيل ميلر”، مدير صندوق “ليج ميسون”، الذي أصر على الاحتفاظ بأسهم البنوك المتعثرة أثناء الأزمة المالية، متسببًا في خسارة الصندوق نحو 55% من قيمته في عام واحد.

أثبتت المتخصصة في علم النفس والاقتصاد السلوكي “أوين فام” أن التدريب المسبق يقلل من القرارات العاطفية للمتداول بنسبة تصل إلى 45%.

ويعتمد “بروتوكول ما قبل التداول” على كتابة مبررات الصفقة ونقطة الخروج قبل التنفيذ، مما يحفز الدماغ على اتخاذ القرار منطقياً بدلاً من عاطفيًا، ويحد من الخسائر الناتجة عن الذعر.

كما أظهرت نتائج “فام” أن المتداولين المدربين على سيكولوجية الأسواق أقل تأثرًا بـ”لوحة الصدارة” بنسبة 60%، مع مستويات انضباط أعلى مقارنة بزملائهم غير المدربين.

تؤكد تجربة جامعة “مونز” ودراسة “فام” أن أكبر تحدٍ يواجه المتداول المبتدئ ليس نقص المعرفة أو الأدوات الاستثمارية، بل وعيه النفسي. من لا يسيطر على خوفه وطمعه، ولا يدرك تأثير الضغط الاجتماعي، سيظل الحلقة الأضعف في أي سوق، مهما امتلك من معلومات أو استراتيجيات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى