ورزازات تودع السياحة التقليدية وترسم مستقبلاً غامراً يمزج عبق القصبات بتكنولوجيا السينما

تستعد مدينة ورزازات لخلع ثوبها السياحي التقليدي لترتدي حلة عصرية تجعل من قصباتها التاريخية “مفاعلات ثقافية” تنبض بالحياة، حيث يشهد إقليم ورزازات تحولاً جذرياً يهدف إلى إعادة ابتكار المواقع الأثرية الكبرى، وعلى رأسها قصبة تاوريرت وقصر آيت بن حدو، وتحويلهما من مجرد محطات للمشاهدة العابرة إلى فضاءات غامرة تمزج بين عبق التاريخ وتكنولوجيا المستقبل.
ففي قلب قصبة تاوريرت، يتبلور مشروع طموح لتحويل الساحات المجاورة إلى مركز تجربة متكامل يضم ورشات للحرفيين ومتاجر ثقافية تعكس هوية المكان، مع دمج تقنيات رقمية وسينمائية غامرة تعيد قراءة عالم القصبات بأسلوب تفاعلي، وصولاً إلى إعادة توظيف أجزاء من القصبة للإيواء السياحي الذي يزاوج بين أصالة الطين ورفاهية العصر، مما يجعل من الموقع قلباً نابضاً بالحياة الثقافية والترفيهية.
هذا النفس التجديدي يمتد ليصل إلى قصر آيت بن حدو، المصنف ضمن التراث العالمي، حيث يتم “إعادة تخيل” الساحات المحيطة به لتصبح متحفاً حياً تحت السماء يتيح للزائر الانخراط الفعلي في صناعة التجربة، سواء عبر المشاركة في ورشات الحرف اليدوية، أو اكتشاف “دار الحكايات” التي تروي ذاكرة المكان، أو التجول في مسار “Walk of Kasbahs” المستوحى من السجادة الحمراء لهوليوود.
ولا يقتصر الطموح هنا على الجانب الجمالي فحسب، بل يمتد لخلق نموذج اقتصادي مستدام يعزز إنفاق الزائر ويدعم المقاولات المحلية، مستفيداً من الصيت العالمي لورزازات كخلفية لأضخم الإنتاجات السينمائية مثل “Gladiator” و”Lawrence of Arabia”، ليتحول الخيال السينمائي إلى واقع ملموس وجذاب للسياح من مختلف بقاع العالم.
إن ما يحدث اليوم في ورزازات يندرج ضمن رؤية شمولية تُعرف بـ “مسار ألف قصبة”، وهي استراتيجية تهدف إلى خلق انسجام سياحي جهوي يربط المواقع ببعضها البعض لتشجيع الإقامة طويلة الأمد وتوزيع التدفقات السياحية بشكل متوازن.
ومع اعتماد تصاميم بصرية قوية وإضاءة سينوغرافية مؤثرة، يراهن المشروع على “عصر الرقمنة” لتحويل كل زائر إلى سفير ينقل قصة المكان عبر منصات التواصل الاجتماعي، مؤكداً انتقال المغرب من “سياحة الاستهلاك” إلى “سياحة القيمة والإحساس”. وبأفق زمني لا يتجاوز تسعة أشهر، تقف ورزازات على أعتاب مرحلة جديدة لا تقدم فيها لزوارها مجرد وجهة، بل تجربة حسية واجتماعية فريدة، معلنةً أن التميز الحقيقي لا يكمن في ما نملكه من تاريخ، بل في كيفية جعل هذا التاريخ قصة تُعاش وتُشارك.




