الاقتصادية

هل يمكنك الانتظار؟ السر النفسي وراء نجاح المستثمرين العظماء

هل يمكنك مقاومة إغراء قطعة حلوى، مقابل وعد بالحصول على مكافأة أكبر إذا انتظرت؟ هذا هو السؤال البسيط الذي طرحه عالم النفس الشهير والتر ميشيل على مجموعة من الأطفال، ليكشف عن سرّ الصبر وأثره على النجاح لاحقًا في الحياة.

في تجربة عُرفت لاحقًا باسم “اختبار المارشميلو”، جلس الأطفال الذين تراوحت أعمارهم بين 4 و5 سنوات في غرفة خالية تمامًا من أي مشتتات، أمام قطعة حلوى واحدة. ثم أخبرهم ميشيل: “إذا أكلت الحلوى الآن، فلن تحصل على غيرها، أما إذا انتظرت حتى أعود فسأعطيك قطعة ثانية”.

بعد مغادرته للغرفة، راقب الباحث الأطفال من خلف مرآة، لمدة 15 إلى 20 دقيقة، ليرى من يستطيع مقاومة الإغراء.

ولاحظ ميشيل أن الأطفال استخدموا أساليب مبتكرة للتحكم في أنفسهم: البعض غطى عينيه، آخرون غنّوا بصوت مرتفع لتشتيت انتباههم، بينما لجأ البعض إلى شد الشعر أو ركل الطاولة.

ما استخلصه ميشيل أن الصبر لا يعتمد فقط على قوة الإرادة، بل على القدرة على تحويل التركيز من “الخصائص الساخنة” للمثير—طعم ورائحة الحلوى—إلى التفكير في المكافأة المؤجلة، وهي عملية أطلق عليها اسم “التحول الاستراتيجي للانتباه”.

تُظهر التجربة درسًا مهمًا يتجاوز الأطفال والحلوى ليصل إلى عالم الاستثمار. المستثمر الذي يتجاوز الإغراءات الفورية ويؤجل الربح يحقق غالبًا نتائج مالية أفضل على المدى الطويل.

على سبيل المثال، استثمار 1,000 دولار في شركة “كوكاكولا” عام 1988 نما ليصل إلى أكثر من 36,000 دولار بنهاية 2025، مع توزيعات أرباح تراكمية، بعائد إجمالي يزيد على 3,500%.

أما المستثمر المتسرع الذي يبيع عند أول مكسب بسيط، فقد يفوّت على نفسه فرصة تراكم الثروة، وربما يخسر إذا تصرف بدافع الخوف عند هبوط مؤقت للأسهم.

الاستثمار طويل الأجل يسمح لـ”العائد المركب” بالعمل لصالح المستثمر. فعلى سبيل المثال، استثمار 500 ريال شهريًا بنمو سنوي 10% يمكن أن يتحول إلى حوالي 1.1 مليون ريال خلال 30 عامًا، مع توليد نصف المبلغ تقريبًا في السنوات الأخيرة فقط، حيث تبدأ الأرباح المتراكمة في توليد أرباح جديدة تفوق رأس المال الأصلي.

على العكس، يظهر البحث أن المضاربين الذين يحاولون “توقيت السوق” غالبًا ما يفقدون جزءًا كبيرًا من العوائد المحتملة، إذ تشير الدراسات إلى أن ضياع أفضل 10 أيام أداءً في السوق خلال عقد من الزمن يمكن أن يقلل العائد الإجمالي بنسبة تصل إلى 50%.

التداول المتكرر يشبه تناول “الوجبات السريعة المالية”: إشباع فوري وسريع، لكنه على المدى الطويل يقلل من العوائد ويزيد من المخاطر. دراسات السوق التايواني أظهرت أن أكثر من 80% من المتداولين اليوميين خسروا جزءًا كبيرًا من أموالهم خلال 6 أشهر فقط، بينما المستثمرون الأكثر صبرًا تفوقوا بشكل واضح على السوق.

نماذج النجاح تؤكد أن الصبر يجني ثمارًا كبيرة:

  • “تيريزا زانغ” استثمرت جزءًا من دخلها وحققت مليون دولار تقريبًا خلال 10 سنوات، لتتقاعد في سن 38.

  • “جوناثان مينديز” خصص 70% من دخله للاستثمار ووصلت محفظته إلى 1.8 مليون دولار بحلول سن 33.

  • “إيمي تشين”، ذات الدخل المحدود، وصلت إلى مليون دولار من خلال استثمار 40% من دخلها بانتظام.

تجربة “المارشميلو” تؤكد أن تأجيل الإشباع ليس مجرد فضيلة، بل استراتيجية للنجاح. سواء في الحياة اليومية أو عالم الاستثمار، الصبر والانضباط المالي والابتعاد عن المكاسب اللحظية يمكن أن يؤدي إلى تراكم الثروات وتحقيق أهداف كبيرة على المدى الطويل.

في عالم المال، كما في تجربة الحلوى، الانتظار يصنع الفرق بين النجاح المؤقت والثروة الحقيقية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى