نهاية عصر الراتب الثابت: لماذا لم يعد العمل مرادفاً للأمان المالي؟

لم يعد الراتب الثابت مرادفًا للأمان المالي كما كان في الماضي. ففي زمنٍ كان فيه الحصول على وظيفة دائمة في القطاع الرسمي يعني دخلًا مستقرًا ومزايا اجتماعية ومسارًا واضحًا للترقي، أصبح اليوم مجرد وظيفة لا تضمن استقرارًا كاملًا في مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة والتحولات الاقتصادية السريعة.
“روبورت واليسون”، موظف في منتصف الثلاثينيات، كان يعتمد لسنوات على راتبه الثابت لتغطية مصاريفه الشخصية والادخار التدريجي. لكن مع زواجه وولادة طفله الأول، بدأ يشعر بأن الدخل لم يعد يكفي.
ومع وصول طفله الثالث، أدرك أن الوظيفة “الآمنة” لم تعد كافية لتأمين حياة مستقرة، وأن الدخل الثابت أصبح يواجه تكاليف متسارعة ومسؤوليات متزايدة.
قصته ليست استثناءً، بل تمثل تجربة ملايين العاملين حول العالم، في ظل تغير طبيعة سوق العمل وتراجع العلاقة التقليدية بين الوظيفة والاستقرار المالي.
شهد سوق العمل تحولات عميقة، حيث بدأ النموذج التقليدي للعمل بدوام كامل مع مزايا ثابتة في الانحسار، ليحل محله العمل الجزئي، المؤقت، وعبر المنصات الرقمية.
تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن نحو 435 مليون شخص يعملون اليوم ضمن “اقتصاد المنصات”، مع اعتماد 30% منهم في الدول الناشئة على هذا النوع من العمل كمصدر رئيسي للدخل، غالبًا دون تأمين صحي أو حماية من البطالة.
حتى في الاقتصادات المتقدمة، لا يضمن توفر الوظائف الأمان الوظيفي، إذ انتشرت العقود قصيرة الأجل، والاستعانة بمصادر خارجية، والضغوط المرتبطة بالأتمتة.
أما في الدول الناشئة، فالعمل غير الرسمي يهيمن على السوق، ويترك ملايين العاملين عرضة للفقر رغم امتلاكهم وظائف، وفق منظمة العمل الدولية التي تشير إلى أن أكثر من 60% من العمال حول العالم يعملون في وظائف تفتقر للحماية القانونية والاجتماعية.
تآكل الأمان المالي للعاملين يعود جزئيًا إلى أن نمو الأجور لم يواكب ارتفاع تكاليف المعيشة. ففي العديد من الدول المتقدمة، ظلت الأجور الحقيقية بعد احتساب التضخم دون مستويات ما قبل جائحة كورونا، بينما ارتفعت أسعار الغذاء والطاقة والسكن، ما قلّص القوة الشرائية للرواتب.
وفي الاقتصادات الناشئة، تصبح المشكلة أكثر حدة بفعل التضخم وتقلبات العملة وضعف الأجور، ما يدفع كثيرين للعمل بأكثر من وظيفة لتغطية احتياجاتهم الأساسية.
بحسب منظمة العمل الدولية، 45% من 160 دولة ظل الحد الأدنى للأجور فيها أقل من معدل التضخم الحقيقي.
الأتمتة والذكاء الاصطناعي أعادا تعريف طبيعة الوظائف حول العالم. وفق تقرير منتدى الاقتصاد العالمي 2025، قد تختفي نحو 92 مليون وظيفة بسبب التحولات التكنولوجية، مقابل خلق حوالي 170 مليون وظيفة جديدة، إلا أن النمو غير متوازن بين القطاعات والدول.
في الاقتصادات المتقدمة، يُقدر أن 60% من الوظائف معرضة لتأثير الذكاء الاصطناعي، ما يزيد الفجوة بين أصحاب المهارات المتقدمة والعاملين الآخرين.
أما في الدول الناشئة، فيواجه العمال “ضعفًا مزدوجًا” يجمع بين قابلية الوظائف للأتمتة وقلة فرص إعادة التأهيل، مما يؤدي لفقدان وظائف مستقرة دون وجود بدائل مناسبة.
كما تزداد ظاهرة “العمل دون المستوى”، حيث يضطر أصحاب المؤهلات العالية لقبول وظائف منخفضة الأجر، مما يقوض العائد الاقتصادي للتعليم ويحد من قدرة العمل على توفير الأمان المالي.
في الولايات المتحدة وأوروبا، لا يزال العمل يوفر نوعًا من الاستقرار، لكنه يتعرض لضغوط مستمرة بسبب بطء نمو الأجور مقارنة بالإنتاجية وارتفاع تكاليف المعيشة.
في المقابل، تواجه الدول الناشئة تحديات أشد بسبب انتشار العمل غير الرسمي وغياب شبكات الأمان الاجتماعي.
تقديرات البنك الدولي تشير إلى أن نحو 1.2 مليار شاب سيدخلون سوق العمل في دول الجنوب خلال العقد المقبل، بينما لن تكون فرص العمل كافية لاستيعاب الجميع، ما يهدد بارتفاع معدلات البطالة والعمل الهش.
كما تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 630 مليون عامل حول العالم يعيشون تحت خط الفقر رغم امتلاكهم وظائف.
لم يعد العمل وحده كافيًا لضمان الأمان المالي. ضعف نمو الأجور، وارتفاع تكاليف المعيشة، وانتشار العمل غير المستقر، وتأثير التكنولوجيا، جميعها عوامل ساهمت في تفكيك الرابط التقليدي بين الوظيفة والاستقرار المالي.
في عالم لم يعد فيه الراتب الثابت كافيًا، يطرح السؤال نفسه: كيف يمكن إعادة تعريف العمل ليظل ضمانًا حقيقيًا للأمان المالي في المستقبل؟




