من ضغط الإثبات إلى بيئة الثقة: كيف تشكل ثقافة العمل إنتاجية الموظف

في صباح يوم عادي، جلس الموظف أمام حاسوبه، محاطًا بنوافذ مفتوحة لا تعد ولا تحصى، عندما قفزت رسالة بريد إلكتروني على الشاشة. كان المرسل مديره المباشر، مطالبًا إياه بتقديم ملخص مفصل لإنجازاته خلال العام، لتبرير الإجازة التي تمت الموافقة عليها بالفعل.
لحظة واحدة قلبت شعوره رأسًا على عقب؛ من عضو فريق فخور إلى متهم وهمي داخل قفص اتهام افتراضي. لم يكن إعداد جدول مهام هو ما أثقل كاهله، بل المعنى الكامن وراء الطلب: كل إنجازاته السابقة لم تعد قيمة إلا إذا أعاد إثبات نفسه.
مع فتح المستند الفارغ وبدء تجميع رسائله وتقويمه، شعر وكأن عمله تحول إلى “ملف دفاع”، يحميه من وصمة التقصير. جسده استجاب قبل عقله، مع توتر في الكتفين وتسارع في التنفس، مؤكدًا كيف يمكن للضغط النفسي أن يستولي على العقل والجسم في آن واحد.
تجربة هذا الموظف ليست استثناءً. في وقت سابق من العام، شهد العالم مطالبة موظفين فيدراليين في الولايات المتحدة بتقديم قوائم أسبوعية بإنجازاتهم، ما أثار غضبًا واسعًا وأدى إلى احتراق وظيفي صامت.
المشكلة الأساسية تكمن في إعطاء الأولوية للتبرير المستمر على حساب الثقة المتبادلة. بهذه الطريقة، تصبح القيمة المهنية شيئًا يجب كسبه باستمرار، بدل أن تكون مكتسبة ومقدرة. والنتيجة؟ عقول الموظفين تركز على المراقبة الذاتية وحماية النفس، بدل التركيز على العمل نفسه.
تشير الأبحاث النفسية إلى أن الأداء يتراجع عندما يشعر الموظف بأنه تحت محاكمة دائمة:
نظرية التوسع والبناء لعالمة النفس باربرا فريدريكسون توضح أن المشاعر الإيجابية مثل الثقة والامتنان توسع التفكير، وتعزز الإبداع، وتزيد القدرة على مواجهة التحديات.
الخوف المستمر يضيق التركيز ويعيق القدرات الضرورية مثل التعاطف ورؤية الصورة الأكبر.
أبحاث إيمي إدموندسون حول “السلامة النفسية” تشير إلى أن الموظفين الذين يشعرون بالأمان للتعبير عن آرائهم أو ارتكاب الأخطاء يعملون بشكل أكثر تعاونًا ويخاطرون بحكمة.
لا تحتاج ثقافة العمل السامة دائمًا إلى مدير صارم أو فضيحة. أحيانًا تظهر في صور دقيقة، مثل:
مراجعات أداء تركز فقط على الأخطاء.
احتفالات سريعة بالنجاح دون تقدير حقيقي للجهود.
ملاحظات تقييمية تظهر فقط عند وقوع خطأ.
مع مرور الوقت، ينهار شعور الموظف بقيمته الذاتية، ويبدأ في كتمان أفكاره وتقليص نفسه، في محاولة لأن يصبح “مناسبًا” أكثر.
في المقابل، المؤسسات الناجحة تعطي الموظف شعورًا بأن قيمته متأصلة، من خلال:
تقديم التقدير بعناية وبمعنى حقيقي.
تقديم ملاحظات صادقة وبناءة.
التعامل مع الأخطاء كجزء طبيعي من التعلم، لا كفشل شخصي.
جعل الاحترام واللطف جزءًا أساسيًا من التعامل اليومي.
في هذه البيئة، يزدهر الموظف عندما يشعر بالثقة والدعم، حتى في الأيام التي لا يكون فيها بأقصى طاقته، ويقدم أفضل ما لديه دون الخوف من الحكم المستمر.
4 طرق لترسيخ شعور “الكفاية” في قيادتك | ||
ابدأ من الثقة | – كن واثقًا من أن موظفيك يريدون القيام بالعمل على الوجه الأكمل. هذا هو الحال غالبًا. عندما يتم تفويت موعد نهائي، اسأل “ما الذي أعاقك؟” بدلًا من “لماذا لم تنجز عملك؟”. | |
عامل التقييم كوقود، لا كتهديد | – ابنِ حوارات منتظمة ومتبادلة حيث يأتي الثناء والنقد من منطلق الاهتمام. جرب طرح أسئلة مثل: “ما الذي يسير على ما يرام؟”، “ما الذي سيساعدك أكثر الآن؟”، أو “ما الذي يمكنني فعله بشكل مختلف لدعمك؟”. | |
اثن على موظفيك عند فعل الصواب | – لا تنتظر مراجعات الأداء. عندما ترى شيئًا جيدًا، حتى لو كان صغيرًا، قُل شيئًا. رسالة سريعة، أو ذكر في اجتماع، يمكن أن يعزز السلوك الذي تريده. | |
انتبه إلى قوة كلماتك | – إن عبارات مثل “نحن متأخرون” أو “هذا ليس جيدًا بما فيه الكفاية” يمكن أن تستنزف الناس بمرور الوقت. – بدلًا من ذلك، جرب إعادة صياغتها: “إليكم ما نتعلمه، ونحن نمضي قدمًا” أو “دعونا نقرر ما هو الأهم الآن”. الهدف ليس تجميل التحديات، بل التوجيه دون تثبيط. | |
لكل قائد، كلماتك وأفعالك تتجاوز التأثير الفوري؛ فهي تشكل ثقافة الفريق بأكمله. الضغط المستمر لإثبات القيمة ليس استراتيجية إنتاجية، بل طريق مباشر للاحتراق الوظيفي.
أقوى أماكن العمل هي التي:
تبني الثقة المتبادلة.
تتوقع المساءلة بوضوح دون تهديد مستمر.
تعامل الناس كأفراد ذوي قيمة ثابتة.
في هذه الثقافة، يتوقف الموظف عن “الأداء لإثبات الذات” ويبدأ بـ”المساهمة” بكامل إمكاناته، مما يعزز الإبداع والإنتاجية ويعود بالنفع على الجميع.




