من شاشات الخسائر إلى صدارة الأسواق.. قصة الرئيس الكوري “لي جاي ميونج” مع البورصة

في مطلع الألفية، كان شاب كوري يجلس لساعات متواصلة أمام شاشات الأسهم، يراقب الأسعار تتقلب بسرعة البرق، ويخوض صفقات يومية في محاولة لتعويض خسائر الأمس. ما بدا حينها مجرد تجربة استثمارية فاشلة، تحولت لاحقًا إلى شرارة لرؤية استراتيجية غيرت المشهد المالي لكوريا الجنوبية بأكمله.
ذلك الشاب هو لي جاي ميونج، الرئيس الحالي لكوريا الجنوبية. بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية يونيو الماضي، لم يقتصر تأثيره على السياسة، بل امتد ليصل إلى سوق الأسهم الكوري، الذي أصبح عاشر أكبر سوق عالميًا بقيمة تجاوزت 3.25 تريليون دولار، متفوقًا على ألمانيا.
قبل أن يصبح رئيسًا، كان “لي” مجرد متداول مبتدئ يخسر أمواله شهريًا. تلك الخسائر المتكررة زرعت فيه شعورًا بالمرارة، وحفزته لاحقًا على جعل إصلاح السوق من أولويات برنامجه الانتخابي، بهدف حماية المستثمرين الصغار وضمان عدالة المعاملات.
تحولت تجارب “لي” الشخصية في السوق إلى دافع سياسي حقيقي، إذ لاحظ وجود صفقات غير عادلة بين المساهمين المسيطرين، وعمليات اندماج وتسعير تضر بالمساهمين الأقلية.

لتحقيق تغيير جذري، أطلق شعار حملته الانتخابية “كوسبي 5000″، وعقب توليه الرئاسة أطلق حزمة إصلاحات شاملة شملت:
تعزيز حوكمة الشركات
خفض الحد الأقصى للضريبة على توزيعات الأرباح من 50% إلى 30%
معالجة تشوهات نظام ضريبة الميراث الذي يصل حدّه الأقصى إلى 60%
كما وسع نطاق إنفاذ القانون لمكافحة المخالفات السوقية وحماية حقوق المساهمين الأقلية، مستفيدًا من شعبيته لدعم القطاعات المختلفة في السوق.
يرى “لي” أن سوق الأسهم هو أسرع وسيلة لإنعاش الاقتصاد الكوري، وأن ارتفاع الأسهم يجبر الكوريين على إعادة التفكير في هوسهم بالعقارات باعتبارها السبيل الوحيد لتكوين الثروة.
شهد مؤشر “كوسبي” ارتفاعًا قياسيًا، مغلقًا عند 5969 نقطة، بزيادة 41% منذ مطلع 2026، وارتفاع نحو 115% منذ تولي “لي” الرئاسة. بعد اختراق حاجز 4 آلاف نقطة في أكتوبر، وصل المؤشر إلى 5 آلاف خلال 3 أشهر فقط، والآن يقترب من حاجز 6 آلاف نقطة.
لم يكن الزخم السياسي وحده سبب الصعود، بل جاءت طفرة الذكاء الاصطناعي لتعزز الطلب على الرقائق الإلكترونية، مما رفع أسهم شركتي سامسونج وإس كيه هاينكس الكوريتين، مدفوعة بالطلب العالمي القوي على التكنولوجيا.
يرى جيمس ليم، مدير محافظ الاستثمار الكوري لدى “دالتون إنفستمنت”، أن السوق سيستمر في الصعود هذا العام بدعم من التشريعات التنظيمية، مع توقع مكاسب إضافية بنسبة 20% مقارنة بالقفزة 76% خلال 2025.
ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر أمام “لي” هو تحويل طفرة الأسهم إلى نمو مستدام يمتد أثره إلى الاقتصاد الحقيقي، خاصة بعد انكماش الاقتصاد الكوري في الربع الرابع من 2025، ما يجعل المرحلة المقبلة حاسمة في اختبار قدرته على مزج النجاح السياسي مع الإنجازات الاقتصادية.




