من المصانع إلى البرمجيات.. الاقتصاد العالمي يدخل عصر الأصول غير الملموسة

لم تعد القوة الاقتصادية تُقاس بالمصانع الضخمة أو العقارات الباهظة، بل باتت تُقاس بالمعرفة والابتكار. في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، يشهد الاقتصاد العالمي تحولًا هيكليًا جذريًا، حيث صعدت الأصول غير الملموسة—من براءات الاختراع والعلامات التجارية إلى البيانات الضخمة والخوارزميات—لتصبح القلب النابض للثروة والقدرة التنافسية.
في هذا المشهد الجديد، صار فهم كيفية تحويل الأفكار والبيانات إلى قيمة اقتصادية أمرًا حيويًا للمستثمرين، خاصة في أسواق مثل الولايات المتحدة وأوروبا، حيث الأصول الفكرية تُعيد تشكيل قواعد اللعبة الاستثمارية.
تُظهر دراسة لشركة “أوشن تومو” أن الأصول غير الملموسة شكلت نحو 92% من قيمة شركات مؤشر “S&P 500” في 2025، مقارنة بـ17% فقط عام 1975.
هذا التحول يعكس أن القدرة على الابتكار أصبحت المعيار الأهم لتقييم الشركات، وأن القوة الاقتصادية الحالية تكمن في أفكارها وابتكاراتها المخفية أكثر من مصانعها ومعداتها.
لمواجهة هذا التعقيد، يتجه المحللون إلى أساليب متقدمة مثل:
اعتبار نفقات البحث والتطوير كأصول لحساب العائد الحقيقي على الاستثمار.
استخدام “مضاعف القيمة الدفترية” لتقدير الأصول الفكرية المستبعدة محاسبيًا.
التركيز على التدفقات النقدية الحرة بدل الأرباح الدفترية لتقييم القدرة الحقيقية للشركة على توليد القيمة.
تعتمد كوالكوم على فصل ذراعيها الإنتاجي والفكري، ما يسمح لها بتحصيل رسوم من كل جهاز ذكي يُباع عالميًا. في السنة المالية 2025، بلغ إجمالي إيراداتها 44 مليار دولار، منها 5.6 مليار دولار من الأصول غير الملموسة بهامش ربح مذهل 72%، مقارنة بـ30% للأصول المادية.

تعتمد كوكاكولا نموذج “خفيف الأصول”، مركزة على إنتاج مركز المشروب وبيع حقوق العلامة التجارية للمعبئين المستقلين، ما يمنحها هوامش تشغيل مرتفعة وقوة تسعير تمكنها من مواجهة التضخم والركود الاقتصادي بثقة.
نمو الأصول غير الملموسة في الاقتصاد الأمريكي عبر خمسة عقود | |||
السنة | الأصول المادية | الأصول غير الملموسة | طبيعة الاقتصاد المهيمن |
1975 | 83 % | 17 % | الاقتصاد الصناعي التقليدي |
1985 | 68 % | 32 % | بداية عصر الحوسبة |
1995 | 32 % | 68 % | ثورة الإنترنت والمعلومات |
2005 | 20 % | 80 % | عولمة الخدمات والبرمجيات |
2015 | 16 % | 84 % | اقتصاد المنصات والهواتف الذكية |
2025 | 8 % | 92 % | اقتصاد الذكاء الاصطناعي والبيانات |
أثبت برنامج الولاء “MileagePlus” أنه أصل غير ملموس يمكن تحويله إلى ضمانات مالية. خلال جائحة 2020، استخدمت الشركة بيانات أكثر من 100 مليون عضو للحصول على قرض بـ5 مليارات دولار، متجاوزة قيمة أصولها المادية من الطائرات.
حولت شركات مثل “ساب” و”أليانز” الأصول غير الملموسة إلى محركات أرباح مستدامة، فالاشتراكات المتكررة والسمعة في الاستدامة أصبحت أصولًا استراتيجية تجذب رؤوس الأموال العالمية.
مع تصاعد أهمية الأصول الفكرية، يبرز تهديد السرقة الفكرية والهجمات السيبرانية. فـ92% من قيمة الشركات اليوم مرتبطة بأصول غير ملموسة، بينما 19% فقط مؤمَّن عليها عالميًا.
وقد أفادت أكثر من نصف المؤسسات بتعرضها لاختراقات أمنية في العامين الأخيرين، مما يجعل تقييم “فجوة الحماية” أمرًا حيويًا للحفاظ على القيمة السوقية.
اليوم، لم يعد المستثمر يعتمد فقط على قراءة الميزانيات المالية التقليدية، بل على القدرة على تحليل الأصول غير المرئية: الأفكار، البيانات، وبراءات الاختراع. الشركات القادرة على تحويل المعرفة إلى أصول قابلة للتسييل المالي هي من ستواصل الهيمنة على الأسواق العالمية في العقود القادمة.




