من الحاسبات البشرية إلى الذكاء الاصطناعي.. المعركة المستمرة على مستقبل العمل

قبل أكثر من نصف قرن، في أروقة وكالة “ناسا”، وقفت “دوروثي فون” أمام آلة ضخمة من إنتاج “آي بي إم”، لم تكن مجرد حاسبة؛ بل كانت رمزاً لبداية عهدٍ جديد حيث بدأت الأجهزة الذكية تتحدى العقول البشرية، التي كانت تُعتبر المقياس الوحيد للقدرة والمعرفة.
لم يكن القلق لدى “دوروثي” من قدرة الآلة على الحساب، بل من احتمال أن تُهمل مهاراتها ومهارات زميلاتها في “الحاسبات البشريات”. لكنها رفضت الاستسلام، وتعلمت لغة البرمجة “فورتران”، وعادت لتدرب فريقها، مؤكدة أن المعركة الحقيقية ليست ضد الآلة، بل ضد الجمود والخوف من التغيير.
اليوم، تعود نفس المعركة بصيغة جديدة: الذكاء الاصطناعي التوليدي يطرق أبواب بيوتنا ومكاتبنا، يبتلع الوظائف الروتينية ويخلق فرصاً هائلة لأصحاب المهارات الجديدة.
لم تعد القضية مجرد الوصول إلى القمر، بل حول من سيبقى على الأرض محتفظاً بوظيفته، ومن سيغرق في موجة التحولات المهنية.
تشير الدراسات إلى أن 10% من الوظائف في الاقتصادات المتقدمة و5% في الأسواق الناشئة تتطلب مهارة جديدة على الأقل. الولايات المتحدة تمثل مركز الابتكار، قبل أن تنتشر هذه المهارات عالميًا، محدثة ما يمكن وصفه بـ”عدوى مهارية” تعيد رسم ملامح سوق العمل الدولي.
أكثر من نصف المهارات الجديدة المطلوبة ترتبط بتكنولوجيا المعلومات، مع زيادة ملحوظة في مهارات الذكاء الاصطناعي. هذه التقنيات لم تعد مقصورة على قطاع محدد، بل أصبحت أداة إنتاج عامة تمتد من الإدارة والتسويق إلى الصحة والخدمات، مما يجعل كل موظف محتمل عرضة للتغيير.

الوظائف التي تتطلب مهارات جديدة تقدم أجوراً أعلى بنسبة تتراوح بين 3% و3.4% في أمريكا وبريطانيا. أما الوظائف التي تتطلب أربع مهارات أو أكثر، فتشهد زيادات تصل إلى 15% في بريطانيا و8.5% في الولايات المتحدة، ما يجعل التعلم المستمر استثمارًا مباشراً لرفع القيمة السوقية للفرد وضخ السيولة في الاقتصاد.
على الرغم من ارتفاع الأجور، فإن المكاسب الكبرى تتركز في فئتين فقط: العمالة عالية المهارة والعمالة منخفضة المهارة في قطاع الخدمات، فيما تعاني الطبقة الوسطى من تراجع الفرص، مما يعكس استقطاباً متزايداً للوظائف.
ترتيب الدول حسب مؤشر اختلال المهارات | ||
الترتيب | الدولة | وضع فجوة المهارات |
1 | لوكسمبورج | قيمة موجبة فجوة لصالح الطلب (نقص مهارات) وكلما اتجهنا لأسفل، كلما اقترب السوق من التوازن |
2 | السويد | |
3 | هولندا | |
4 | البرازيل | |
5 | لاتفيا | |
6 | كولومبيا | |
7 | المكسيك | |
8 | النمسا | |
9 | تشيلي | |
10 | الولايات المتحدة | نقطة مرجعية للمؤشر |
11 | إستونيا | قيمة سالبة فجوة لصالح العرض (فائض مهارات) وكلما اتجهنا لأسفل، كلما ابتعد السوق عن التوازن |
12 | ليتوانيا | |
13 | كوستاريكا | |
14 | ألمانيا | |
15 | النرويج | |
16 | بلجيكا | |
17 | المجر | |
18 | البرتغال | |
19 | تركيا | |
20 | فرنسا | |
مهارات الذكاء الاصطناعي ترفع الأجور لكنها لا تزيد التوظيف، بل تستبدل البشر في المهام الروتينية. الدراسات تشير إلى انخفاض بنسبة 3.6% في عدد الموظفين في المدن التي زاد فيها الاعتماد على الذكاء الاصطناعي بعد خمس سنوات من تطبيقه.
المبتدئون في سوق العمل، الأكثر تعرضًا للأتمتة، يجدون أنفسهم أمام سؤال محوري: كيف يكتسبون الخبرة إذا أزيلت “وظائف البوابة” التقليدية بواسطة الروبوتات والخوارزميات الذكية؟
تم تطوير “Skill Imbalance Index” لقياس فجوة العرض والطلب على المهارات الجديدة. بعض الدول تعاني من نقص في المواهب المحلية رغم الطلب الهائل، مثل البرازيل والمكسيك والسويد، بينما دول أخرى تمتلك وفرة من الخريجين لكن الطلب المحلي ضعيف، مثل أستراليا وأيرلندا وبولندا.
ترتيب الدول حسب مؤشر جاهزية المهارات | |
الترتيب | الدولة |
1 | أيرلندا |
2 | فنلندا |
3 | الدنمارك |
4 | سويسرا |
5 | النرويج |
6 | إستونيا |
7 | بولندا |
8 | هولندا |
9 | الولايات المتحدة |
10 | ألمانيا |
11 | السويد |
12 | التشيك |
13 | فرنسا |
14 | كرواتيا |
15 | سلوفاكيا |
16 | إسبانيا |
17 | ليتوانيا |
18 | اليابان |
19 | لاتفيا |
20 | النمسا |
إصلاح التعليم لم يعد خياراً، بل مسألة أمن قومي واقتصادي. دول مثل فنلندا والدنمارك تتصدر مؤشر “الجاهزية للمهارات” بفضل استثمارات ضخمة في التعليم وبرامج التعلم مدى الحياة، مع التركيز على دمج المهارات التقنية والإبداعية في جميع التخصصات، لتعليم الشباب التكيف مع آلة تتطور أسرع من المناهج الدراسية.
التحول الرقمي ليس مجرد خوارزميات أو مؤشرات إنتاجية، بل يتعلق بالمعنى الإنساني للعمل. يجب أن يكون الانتقال تقنياً وأخلاقياً معًا، عبر حماية اجتماعية ونقابات قوية، لضمان أن يكون التحول جماعياً لا سباق نجاة فردياً.




